بعد شهور طويلة يطلق سراحي، أغادر المعتقل، وفرح عظيم يكاد يفجر قلبي الملتاع"سأراكِ يا سهام، مهما كلفني ذلك من ثمن، فلا بد أن تكتحل عيناي بعينيكِ فذلك أمل عشته لحظة إثر لحظة في المعتقل". أصل الدائرة، أسأل عن سهام فيخبرني زميل عن انتحارها، لم أعد أرى طريقي، تدفقت الدموع في عيني"لماذا فعلتِ ذلك يا سهام ... يا وداعة العالم القادم، يا نبلًا يولد وسط مزابل الحقد والكراهية، يا زهرة تفيض أريجًا في مستنقع نتن"، أهيم على وجهي، تقودني قدماي إلى مقبرة بعيدة عن المدينة، أضع على قبرها زهرة حملتها لها هدية للقائنا الذي ما تم. ووسط الدموع والذهول رأيتها قادمة من بعيد في فستان أبيض، ترفرف بذراعيها وتناديني بأعلى صوتها، نهضتُ بسرعة لاستقبالها وعدوتُ باتجاهها، ولكني تعثرتُ بشواهد القبور وسقطت على الأرض فاقد الوعي.
آب 1978.
حكاية بلا نهاية
ـ 1 ـ
الحفلة
كنتُ في قرارة نفسي أبحث عن فرصة، عن مناسبة أؤكد فيها لنفسي أولًا وللجميع ثانيًا أني أدخل مرحلة جديدة في حياتي، مرحلة لا علاقة لها بتلك التي تزوجت فيها وأنا في الخامسة والعشرين، ولا تمت بصلة للمرحلة التي عشتهاوَنَمَتْ فيها بيني وبين الدكتور رامي صداقة حميمة وإعجاب متبادل، تلك العلاقة التي استمرت فترة طويلة ثم انتهت منذ سنتين تقريبًا، مرحلة أحسستُ فيها بأني على أبواب النضج وأني امتلكت شيئًا فشيئًا مفاتيح الحياة واختلفت عن الآخرين في أمور أساسية.
وقد وقع اختياري على أن تكون حفلة ميلادي الخامس والثلاثين الحد الفاصل بين عمرين إن جاز التعبير.. وكنتُ أريد أن يكون شهود الإثبات على كل ما عزمت أن أؤكده، زميلاتي وزملائي في مستشفى الشرق الذي أعمل فيه كطبيبة منذ عشر سنوات، إلا أن الأمور في تلك الحفلة سارت على نحو لم أخطط له ولم يخطر على بالي، وتحولت إلى مقدمة غنية بالمؤشرات، وقادت إلى ذلك اللقاء العجيب الذي لم أتخيله قط.