لِهَذا كلِّهُ أقُوْلُ: إنَّ مِنْ أوَّلِ مَا يِجِبُ أنْ يَعْتَنِيَ بِهِ طَالِبُ العِلْمِ فِي هَذَا الفَنِّ: أنْ يَبْنِيَ عِلْمَه عَلَى أُسُسٍ شَرْعيَّةٍ مُسْتَمِدَّةٍ مِنَ الكِتابِ والسُّنةِ، فبِدُونِه لَنْ نَفْقَهَ مَبْدأَ الوَلاءِ والبَرَاءِ، وعَلَيْه تُبْنَى العُلاقَاتُ بَيْنَ الأمَمِ والشُّعوبِ دُوْنَ إفْرَاطٍ، أو تَفْرِيْطٍ .
وقَدْ أشَارَ ابْنُ القيَّمِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ إلى أهميَّةِ فِقْهِ الوَاقِعِ لِلْمُفْتِي كَمَا مَرَّ آنِفًا، وهُوَ مَا قَرَّرَه العُلَمَاءُ بقَوْلِهم: الحُكْمُ عَلَى الشَيْءِ فَرْعٌ عَنْ تَصَوُّرِه .
والمُفْتِي يَجِبُ أنْ يُعْنَى بِهَذِه المَسْألةِ عِنَايةً خَاصَّةً، وبالذَّاتِ فِي الفَتَاوَى المُتَعَلِّقَةِ بالمَسَائِلِ المُسْتَجِدَّةِ المُعَاصِرَةِ، ولِذَا نَجِدُ عَدَمَ ثِقَةِ كَثِيْرٍ مِنَ النَّاسِ فِي بَعْضِ الفَتَاوَى الصَّادِرَةِ مِنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّها لَمْ تُبْنَ عَلَى فِقْهٍ دَقِيقٍ للوَاقِعِ المُعَاصِرِ .
وعَلَيْه؛ فإنَّ الفَتْوَى تَحْتاجُ - فِي كَثِيْرٍ مِنَ المَسَائِلِ - إلى فِقْهِ الأصُولِ، وفِقْهِ الفُرُوعِ، وفِقْهِ الوَاقِعِ، وإذا اخْتَلَّ رُكْنٌ مِنْ هَذِه الأرْكَانِ تَدَاعَتِ الفَتْوَى، وانْهَدَّ جَانِبُها .
ولا شَكَّ أنَّ الفَتْوَى إذا كانَتْ مُحْكَمَةً ومُتْقَنَةً لها أثَرٌ إيجابيٌّ في حَيَاةِ الأمَّةِ حَاضِرًا ومُسْتَقْبلًا، ولَنْ يَتِمَّ ذلك إلاَّ باسْتِكْمالِ شُرُوطِ الفَتْوَى الَّتي حَدَّدَها العُلَمَاءُ، ومِنْها اكْتِمَالُ التَّصَوُّرِ عَنْ المَسْألَةِ: وهُوَ فِقْهُ الوَاقِعِ في المَسَائِلِ المُعَاصِرَةِ .