والقَضِيَّةُ لَيْسَتْ قَضِيَّةً سِياسِيَّةً بَحْتَةً كَمَا يَتَصَوَّرُ كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ؛ بَلْ هِيَ قَضِيَّةُ مَبْدأٍ، فانْتِصَارُ المُلْحِدِيْنَ الوَثَنِيِّيْنَ عَلَى أهْلِ الكِتَابِ يُؤَثِّرُ عَلَى المُسْلِميْنَ، وأنَّ انْتِصَارَ أهْلِ الكِتَابِ عَلَى أهْلِ الشِّرْكِ: مُؤْذِنٌ بانْتِصَارِ المُسْلميْنَ عَلَى أهْلِ الكِتَابِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لأنَّهم هُمُ الَّذِيْنَ عَلَى الحَقِّ .
وهَاهُوَ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ:"لَسْتُ بالخِبِّ، ولا الخِبُّ يَخْدَعُنِي"، أي لَسْتُ بالْمَاكِرِ المُخَادِعِ، ولَكِنَّه لا يُمْكِنُ أنْ يَخْدَعَهُ المَاكِرُ المُرَاوِغُ !، فالمُسْلِمُ كَيِّسٌ فَطِنٌ، وَاعٍ مُدْرِكٌ لِمَا حَوْلَه .
والعُلَماءُ مِنْ سَلَفِ هَذِه الأمَّةِ كَانُوا خَيْرَ مِثَالٍ لِحُسْنِ تَعَامُلِهم مَعَ وَاقِعِهم، فالإمَامُ أحْمَدُ بِنُ حَنْبلٍ فِي فِتْنَةِ القَوْلِ بِخَلْقِ القُرآنِ، وشَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْميَّةَ فِي مَوْقِفِه مِنَ التَّتَارِ، وابنُ القَيَّمِ فِيما دَوَّنَه عَنْ فِقْهِ الوَاقِعِ، وحاجَةِ المُفْتِي إلَيْه، والعِزُّ بنُ عَبْدِ السَّلامِ فِي مَوَاقِفِه الخالِدَةِ مِنَ النَّصَارَى، ومَنْ حَالَفَهُم .
كَمَا أنَّ الشَّيخَ عَبْدَ الرَّحمنِ ابنَ سَعْدِي ذَكَرَ فِي تَفْسِيرِه أنَّ فِقْهَ المُسْلِمِ لِوَاقِعِه مِنْ لَوَازِمِ مَعْرِفَةِ"لا إلَهَ إلاَّ اللهُ"، عَلَى مَعْنَاهَا الصَّحِيحِ، ولِمَ لا ؟ وبِفِقْهِ الوَاقِعِ يِكْتَمِلُ تَحْقِيقُ مَبْدأُ الوَلاءِ والبَرَاءِ، وهَذَا المَبْدَأُ أصْلٌ مِنْ أُصُولِ عَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ الَّتي جَاءَتْ بِها"لا إلِهَ إلاَّ اللهُ" (1) !
(1) ـ انظر"فِقْهَ الوَاقِعِ"لناصِرِ العُمَرِ ( 19 ) نقلًا عنه .