ومِنَ أقْوَى الأدِلَّةِ عَلَى عِنَايِةِ الكِتابِ، والسُّنةِ بِفِقْهِ الوَاقِعِ: قِصَّةُ فَارِسَ والرُّومَ، وفِيْها يَبْرُزُ اهْتِمامُ الصَّحابَةِ أيْضًا بِهَذَا العِلْمِ، وإدْرَاكِهِم لأهَمِّيتِه، والقِصَّةُ كَمَا وَرَدَتْ فِي سُورَةِ الرُّومِ (1) : أنَّه قَامَتْ حَرَبٌ بَيْنَ فَارِسَ والرُّومَ فانْتَصَرَ الفُرْسُ عَلَى الرُّومِ، وهُنا حَزِنَ المُسْلِمُون لِهَذَا الأمْرِ، فَقَامَ أبو بَكْرٍ رَضِي اللهُ عَنْه، ورَاهَنَ أحَدَ المُشْرِكين عَلَى انْتِصَارِ الرُّوْمِ عَلَى الفُرْسِ، وحَدَّدَ لِذَلِكَ أجَلًا قَصِيْرًا، فأخْبَرَ أبو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّمَ بِذَلِكَ فأقَرَّهُ، وأمَرَه بِزِيادَةِ مُدَّةِ الأجَلِ إلى عَشْرِ سِنِيْنَ، فَفَعَلَ أبو بَكْرٍ، وجَاءتْ الآياتُ فِي سُورَةِ الرُّومِ:"ألم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين * لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم" [الرُّوم 1-5] .
ويَبْرُزُ فِقْهُ الوَاقِعِ فِي هَذِه القِصَّةِ فِيْما يَلِي:
1ـ أنَّ القَضِيَّةَ بَيْنَ فَرِيْقَيْنِ كَافِرَيْنِ، ومَعَ ذَلِكَ خَلَّدَها القُرْآنُ الكَرِيْمُ لأثَرِها المُبَاشِرِ فِي حَيَاةِ المُسْلِمِيْنَ .
2ـ اهْتِمامُ المُسْلِمِيْنَ بِهَذِه القَضِيَّةِ، وحُزْنُهم عِنْدَما انْتَصَرَتْ فَارِسُ، وفَرَحُهم عِنْدَما انْتَصَرَ الرُّومُ.
3ـ مُعَايَشَةُ أبي بَكْرٍ لِهَذِه الأحْدَاثِ، والمُرَاهَنَةُ عَلَى انْتِصَارِ الرُّومِ .
4ـ إقْرارُ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّم لأبِي بِكْرٍ؛ بَلْ طَلَبَه أنْ يَمُدَّ فِي الأجَلِ؛ لأنَّ ( البِضْعَ ) إلى عَشْرَ سَنواتٍ .
(1) ـ انظر"تفسيرَ ابنِ كَثِير"سورة الروم .