ـ أمَّا السنَّةُ فَقَدْ حَفِلَتْ بكَثَيْرٍ مِنَ الوَقَائِعِ، والشَّواهِدِ الَّتي تَدُلُّ عَلَى عِنَايةِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّمَ بِهَذا الجَانِبِ .
فَهَا نَحْنُ نَرَاهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّمَ يُوَجِّهُ المُسْتَضْعَفِين مِنْ صَحَابَتِه بالهِجْرَةِ إلى الحَبَشَةِ، وهَذَا بُرْهانٌ سَاطِعٌ على مَعْرِفَتِه صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّم بِمَا يَدُورُ حَوْلَه، وأحْوَالِ الأمَمِ المُعَاصِرَةِ له .
فلِماذَا لَمْ يُرْسِلِ الصَّحابةَ إلى فَارِسَ، أو الرُّومَ، أو غيرِهم ؟!، ولِمَاذَا اخْتَارَ الحَبَشَةَ دُوْنَ سِوَاها ؟ يُبَيِّنُ ذَلِكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّم بِقَوْلِه:"إنَّ فِيْها مَلِكًا لا يُظْلَمُ عِنْدَه أحَدٌ" (1) !
وهَا نَحْنُ نَرَى المَرْحَلِيَّةَ فِي الدَّعْوةِ مُلائِمَةً للوَاقِعِ الَّذِي تَعِيشُه، ونَجِدُه صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّمَ يَخْتَارُ المَدِيْنَةَ مَكانًا لِهِجْرَتِه، ويَتَعامَلُ مَعَ جَمِيعِ الأطْرَافِ المَوْجُودَةِ فِيْها، وحَوْلَها بأُسْلُوبٍ يُنَاسِبُ أحْوَالَها !
وعِنْدَما أرْسَلَ صلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّمَ مُعَاذًا إلى اليَمَنِ قَالَ لَهُ:"إنَّكَ تَأتِي قَوْمًا أهْلَ كِتَابٍ"، وهَذَا مِنْ إدْرَاكِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّمَ وَاقِعَ كُلِّ بَلَدٍ، وما يَحْتَاجُ إلَيْه، ولِذَلِكَ قَالَ لَهُ:"فَلْيَكُنْ أوَّلَ ما تَدْعُوهم إلَيْه شَهَادَةُ أنْ لا إلَهَ إلاَّ اللهُ …" (2) مُتَّفَقٌ عَلَيْه .
وكَذَلِكَ نَلْمَسُ عُمْقَ هَذَا العِلْمَ فِي غَزَواتِه، ورَسَائِلِه صلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّمَ إلى الأمَمِ، والمُلُوكِ، والقَبائِلِ (3) .
(1) ـ انظر"سِيْرَةَ ابنَ هِشَامٍ" (1/397) ، وإسنادُه حَسَنٌ .
(2) ـ أخرجه البخاري (1458) ، ومسلم (19) .
(3) ـ انظر"فِقْهَ الوَاقِعِ"للشيخ ناصر العمر (10-15) .