ـــــــــــــــــــــــــــــ
ومنه قولهم: مات من علته، وضحك زيد من كلام عمرو، وغضب مما قيل، ومنه على أحد القولين قوله تعالى: أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [1] أي: بسبب الخوف، والقول الآخر: إن كلّا من الفعلين اللّذين هما (أطعمهم) (وآمنهم) ضمن معنى خلصهم؛ التقدير: خلصهم بالإطعام من جوع، وبالأمن من خوف.
ومنها: كونها للبدل وهذا المعنى فيه منازعة. وكان المغاربة لا يثبتونه، وقد تقدم استدلال المصنف على ذلك، ومن الأدلة أيضا قوله تعالى: أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ [2] أي بدل الآخرة، وهو استدلال ظاهر، ومن تأول ذلك فقد أبعد. وأما قول الزمخشري [3] إن المعنى: لولّدنا منكم ففي غاية البعد وكذا القول الذي ذكره أبو البقاء [4] وهو أن المعنى: لحوّلنا بعضكم ملائكة. ولا شك أن القول بأن «من» للبدل أسهل من ذلك كله وأن المعنى عليه.
ومنها: كونها للمجاوزة وقد عرفت أن المصنف جعلها مع أفعل التفضيل للمجاوزة فإذا قيل: زيد أفضل من عمرو؛ فكأنه قيل: جاوز زيد عمرا في الفضل أو الانحطاط، وجعل القول بذلك أولى من القول بأنها لابتداء غاية الارتفاع في نحو: أفضل منه، أو الانحطاط في نحو: شر منه، كما زعم سيبويه. قال [5] : إذ لو كان الابتداء مقصودا لجاز أن يقع بعدها «إلى» ، ثم قال: وقد أشار سيبويه إلى أن ابتداء الغاية قد يقصد دون إرادة منتهى، إلى آخر ما ذكره. ثم قال: وأشار أيضا - يعني سيبويه - إلى قصد التبعيض بالمصاحبة «أفعل» التفضيل فقال في «هو أفضل من زيد» : «فضّله على بعض ولم يعم. وقد عرفت أن المصنف نازع سيبويه في الأمرين - أعني كون المصاحبة لـ «أفعل»
التفضيل لابتداء الغاية أو للتبعيض - وأن المصنف اختار أنها للمجاوزة.
قال الشيخ: اختلف النحويون في «من» بعد أفعل التفضيل نحو: زيد أفضل من عمرو؛ فذهب سيبويه إلى أنها لابتداء الغاية ولا تخلو من التبعيض، وذهب المبرد [6] إلى أنها لابتداء الغاية دون تبعيض، ومنع ابن ولاد [7] أن تكون «من» لابتداء الغاية؛ -
(1) سورة قريش: 4.
(2) سورة التوبة: 38.
(3) الكشاف (4/ 206) .
(4) التبيان (2/ 1141) .
(5) الكتاب (4/ 224) وما بعدها.
(6) المقتضب (1/ 44، 45) ، ومعه الأخفش الصغير. راجع التذييل (4/ 2) .
(7) وانظر: الهمع (2/ 36) . وابن ولاد: أبو العباس أحمد بن محمد بن ولاد، ورث النحو عن أبيه وجده، من مصنفاته: الانتصار لسيبويه من المبرد، والمقصور والممدود وغيرهما (ت: 332 هـ) راجع: الإنباه (1/ 99) .