فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 78

وهاهم عبر التاريخ يقدمون إلى الفقهاء خمس أرباح مكاسبهم، ولم يحدث قَطُّ أنَّ نفرًا منهم قد سأل هؤلاء الشركاء الذين لا يشاركون الشيعة في رأس المال ولا في التعب والكد والجهد بل يشاركونهم في الأرباح فقط، من الذي جعلكم شركاء في أرباحنا؟ وما الأدلة التي تستندون عليها؟ ولماذا نكدح ونكافح نحن وأنتم قاعدون تجنون ثمار تعبنا؟ لقد خضعت الشيعة لهذه الضريبة الجائرة بلا سؤال ولا ضجر فاحتلبهم الفقهاء كما تُحتَلَبُ الناقة الطيعة. ولم يقنع الفقهاء بمشاركتهم في أرباح الشيعة، بل زعموا أنهم ولاة عليهم يجب إطاعتهم، ومن خرج عليهم فقد خرج على الله، ومن رد عليهم فهو كالراد على الله يجب قتله وقمعه من الوجود. فخضع كثير من الشيعة لهذه الفاجعة الفكرية وقبلوا وآمنوا بها، وضحوا بأنفسهم وأولادهم في سبيل هؤلاء الذين ادعوا لأنفسهم السلطة الإلهية وبدون أن يساندهم دليل أو يقف معهم برهان، بل إن الذي يدعونه لا يتناقض مع عقيدة التوحيد والشريعة الإلهية فحسب، بل يتناقض مع مبادئ العقل والبدهيات الأولية، حقًا إنه من الأمور المحزنة أن تواجه الشيعة محنة فكرية كهذه، وكثير منهم يؤمنون بها، ويتفانون في سبيلها". (1) "

لا عزاء للملة.. ولا للملالي

لم يستثمر الفقهاء تلك السلطة التي صنعوها لأنفسهم، والأموال التي يجنونها من عامة الشيعة في تغيير الحال العلمية والاجتماعية الرثة إلى حد بالغ في جنوب لبنان، وقد استمرت هذه الحالة إلى ما يقرب من قرن كامل من الانحطاط والبؤس، إذ اعتُبِرَ شيعة لبنان منذ زمن طويل أكثر الطوائف اللبنانية حرمانًا، فوفق أغلب ـ إن لم يكن كافة ـ المقاييس التي تحدد الحالة الاجتماعية والاقتصادية يأتي الشيعة في أدنى درجات السلم بالمقارنة مع الطوائف الأخرى.

"فاستنادًا إلى إحصاءات 1972م نجد أن معدل دخل"العائلة"الشيعية كان ـ 5432 ليرة لبنانية (كان الدولار في العام 1976م يعادل ثلاث ليرات لبنانية) بينما يبلغ دخل"الفرد"ـ من غير الشيعة ـ 6247 ليرة لبنانية، وإنهم يملكون أكبر نسبة مئوية من العائلات التي يبلغ مدخولها أقل من 1500 ليرة لبنانية."

وهم الطائفة التي تضم أقل عدد من العاملين في الحقول التالية: المهني والتقني، النشاط التجاري أو الصناعي وإدارة أعمال، الوظيفة المكتبية والأعمال الحرفية، وأكبر عدد من العمال والمزارعين والباعة المتجولين.

ولقد وجد (مايكل هدسون) في دراسته التي أجراها عام 1968م أن نسبة التلاميذ إلى السكان في المنطقتين اللتين تعيش فيهما أغلبية شيعية (البقاع والجنوب) والبالغة حوالي 13% تقل بـ 5 % عن المحافظات الثلاث الأخرى. ووجد (رياض طيارة) في تحليله للفروق التعليمية أنه في 1971م كان 6,6% فقط من الشيعة قد نالوا تعليمًا ثانويًا وما فوق؛ مقابل 15% و 17% على الأقل للسُّنَة والمسيحيين على التوالي.

ووجد (حسن شريف) أنه بناء على إحصاءات الدولة الرسمية لعام 1972م فإن الجنوب الذي يبلغ عدد سكانه 20% تقريبًا من عدد السكان العام لا يحظى بـ 0.7% من ميزانية الدولة. ويظهر وصف (شريف) للتخلف في الجنوب الظروف التي كان على العديد من الشيعة أن يعيشوا في ظلها:"يحظى الجنوب بأقل نسبة من الطرقات المعبدة سواء بالنسبة للفرد أم بالنسبة للكيلو متر المربع. والمياه الجارية لا تزال مفقودة في كل القرى والبلدات رغم أنه تم في أوائل الستينيات تمديد الأنابيب إلى العديد من المناطق، وكذلك مدت شبكة الكهرباء في الوقت نفسه تقريبًا، إلا أنها ظلت لا تعمل في معظم الوقت."

ولا توجد تجهيزات لتصريف المياه إلا في المدن والبلدات الكبيرة، ويغيب الهاتف كليًا خارج المراكز الكبيرة اللهم إلا من كابينة يدوية واحدة هي في العادة معطلة. ويزور الأطباء القرى مرة في الأسبوع وأحيانًا مرة في الشهر كله. ولا توجد المستوصفات إلا في القرى الكبيرة، إلا أنها لا تعمل بانتظام، بينما لا توجد المستشفيات والصيدليات إلا في المراكز الكبيرة.

أما التعليم الابتدائي فيجري عادة في بيت قديم غير صحي تقدمه القرية نفسها. أما المدارس التكميلية فقد أدخلت إلى البلدات الكبيرة في منتصف الستينيات"."

وبناء على بحث"نورثون"الميداني في لبنان عامي 1980م ـ 1982م فإن وصف (حسن شريف) لا يزال محتفظًا بصحته بشكل عام؛ فالظروف التي يصفها لا تزال في غالبيتها على الأقل سيئة بالمقدار نفسه، بل لعلها قد ازدادت سوءًا في مجالات عدة عبر سنوات الحرب الأهلية والتفتت الاجتماعي. (2)

(1) يا شيعة العالم استيقظوا، ص 16 ـ 20.

(2) أمل والشيعة، 47 ـ 48، وراجع الجنوب اللبناني في الجغرافيا والتاريخ، هاني فرحات، مجلة الباحث، العددان، 20، 21، ص 109 ـ 127، وهو عدد مزدوج خاص بعنوان: الجنوب اللبناني.. قضية وتاريخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت