فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 78

ولقد وصف أحد الرحالة (دافيد أوركهارت) في منتصف القرن التاسع عشر الشيعة بأنهم شعب خامل خانع يتمتعون بالقذارة والفساد، وحتى بعد ذلك بقرن من الزمان، كان هذا الوصف لا يزال صحيحًا في نظر العديد من المؤلفين:"يلبسون جميعًا أسمالًا بالية، باستثناء بعض المشايخ، وجميعهم متسولون. يتحلقون حول النار التي يطهى عليها الطعام في الهواء الطلق، وإذا طلب من واحدهم أن يحضر بعض البيض هز كتفيه. وإن قيل له أنه سيجزى مالًا لقاء تعبه (في إحضار البيض) يجيب"لا يوجد"."

إن قذارتهم تثير الاشمئزاز حتى تكاد تظنهم يتفاخرون بخروجهم عن القانون والشريعة، فهم لا يحافظون لا على نظافة أنفسهم ولا على نظافة قراهم". (1) "

ويصف محمد جابر آل صفا حال بني قومه من الشيعة في جبل عامل في الفترة التي عاصرهم فيها فيقول:"انتشر الفقر والخراب وكذا الغش والتزلف والنفاق والوشايات، فساءت الأخلاق، وفسدت النفوس، وتنافرت القلوب. ولم تزل آثار هذه الأخلاق تفتك فتكًا ذريعًا في أدبيات البلاد ومعنوياتها. وانقرض أبناء ذاك الجيل، جيل العز والمنعة والإباء، وخلفهم جيل اتخذ التزلف والخداع والأثرة ديدنًا له، فكان أسوأ خلف لخير سلف. نعم الجدود ولكن بئس ما ولدوا... وإن القلب ليحزن والعين لتدمع على المصير المحزن، والعاقبة الوبيلة التي وصلت إليها الطائفة، وكيف تبدلت الحال غير الحال والأرض غير الأرض". (2)

"وفتحت أبواب السلب والرشوة على مصراعيها. وقلَّما كنت ترى أو تسمع بموظف نزيه عفيف إلا ما شذ وندر."

وكان كبار الموظفين يضغطون على صغارهم فيدفعونهم دفعًا لنهب الأهلين وسلب أموالهم. وكانوا في الغالب لا يسمعون لمظلوم شكوى في حق أحد الموظفين". (3) "

"وانتشرت الأخلاق الفاسدة، والميول الشريرة، وامتدت أيدي اللصوص وقطاع الطرق إلى مال الشعب البائس، فاختل الأمن وسادت الفوضى ووقعت البلاد في فقر مدقع وضنك شديد". (4)

"هذا وصف موجز للحالة الإدارية في جبل عامل في ذلك العهد: تجارة كاسدة، وأمن مختل، وزراعة بائرة، وفقر مدفع، وعيش أنكد". (5)

"ولا يسع المنصف إلا أن يرسل دمعة سخية على المصير المحزن الذي وصلت إليه هذه البلاد، منبت الأبطال، ومهبط العبقرية، وكيف هوت للحضيض، وتدهورت في مهاوي الانحطاط". (6)

وبالرغم من الإحكام الشديد لطوق السيطرة الدينية الشيعية على الناس، إلا أن الوضع الديني والاجتماعي والتعليمي بلغ في لبنان وضعًا مزريًا؛ فهذا أحد أشهر العلماء الشيعة في ذلك الوقت، وأكثرهم حسرة على واقعهم يقول:"فهذه القرى العاملية لا يذكر فيها اسم الله ـ تعالى ـ في ليل ولا نهار، ولا فرق عند أهلها بين رمضان وشوال. أما مكانة عالم الدين فانحطت إلى أسفل الدركات: فهذا يموت جوعًا ولا يشعر به إنسان، وذاك تتجهم السفهاء على كرامته، فلا يجد ناصرًا ولا معينًا، وآخر يتحزب للبيك والنائب ليأكل الرغيف". (7)

وشيعة لبنان لم يرثوا سلكًا من العلماء واسعًا ومتماسكًا، وثمة مناطق في لبنان الجنوبي ومن لبنان الشرقي ترك أبناء الشيعة فيها طلب علم الدين منذ عقود، وأدى هذا الانصراف عن الدراسة على كبار مشايخ الشيعة في النجف إلى ضعف ترتيب رجال الدين رتبًا ودرجات، فلم يبرز بين العلماء اللبنانيين من يقر لهم أقرانهم بالصدارة والتقدم على من سواهم؛ فهم مشتتون لم تجتمع كلمتهم على ما فيه صلاحهم، وتفكك جسم العلماء المحلي والوطني ولم تبق له صفة الجسم الواحد وقد دفعت هذه الحالة الحاج سليمان البزي ـ أحد وجهاء الجنوب ـ إلى الشيخ محمد حسين الكاظمي ـ أشهر علماء العرب في العراق وقتها ـ بطلب أحد اثنين: السيد إسماعيل الصدر، أو السيد مهدي الحكيم، وقَبِلَ الحكيم المجيء على أن يُرسَلَ له مئتا ليرة عثمانية ذهبًا؛ وطَلبُ هذا المبلغ الكبير أمارة على علم الطالب بعزيز مكانته، وقبولُ وفائه علامة على الاحتياج إلى العالم. كما عزف أبناء علماء كبار أمثال: محسن الأمين، وعبد الحسين شرف الدين وغيرهم عن طلب العلم الإمامي، بل وقد خلع بعضهم العمامة ولم يكمل العلم الشرعي وانصرف لغيره. ولا يخفي جواد مغنية مرارته حين يقول:"إن ثلة من خيرة الشباب العاملي قضوا في طلب العلم والدين سنوات طوالًا، وبعد أن اجتمعت لهم الشروط تحولوا عنه مغتبطين حين وجدوا الفرصة للتحرر والانطلاق، هذه الظاهرة آيات بينات على عدم الثقة بمصير العلم ورجال الدين". (8)

(1) أمل والشيعة/ 43.

(2) تاريخ جبل عامل/ 106.

(3) المصدر السابق، ص 168، 301.

(4) المصدر السابق، ص 168، 301.

(5) المصدر السابق، ص 168.

(6) المصدر السابق، ص 107، وراجع: هاني فرحات، الجنوب اللبناني في الجغرافيا والتاريخ، مصدر سابق.

(7) محمد جواد مغنية، الوضع الحاضر في جبل عامل، ص 58، نقلًا عن دولة حزب الله، ص 26.

(8) جواد مغنية، المصدر السابق، ص 24 ـ 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت