فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 78

وبهذا فقد تحقق نجاح كبير في إنجاز أحد أكبر الأهداف وهو تأطير الأمة الشيعية بسياج الآيات وتجييشها تحت قيادة واحدة، وعليه فلا عجب أن نرى قوافل الشباب الكثيرة يضحون بأنفسهم في سبيل طاعة الفقهاء، وهذه الطاعة والسيطرة المطلقة كانت نتيجة لجهد كبير بذله الفقهاء على مر التاريخ الإمامي، فيقول د. موسى الموسوي معللًا كيفية سيطرة الفقهاء الشيعة على الأمة الإمامية:"لقد استغلّت الزعامات المذهبية والفقهاء عبر التاريخ ـ ومنذ أن بدأت تحكم علينا الطوق ـ سذاجتنا نحن الشيعة الإمامية وحبنا الجارف لأهل بيت رسول الله ) صلى الله عليه وسلم (، فأحدثت في مذهبنا بدعًا وتجاويف وتجاعيد كل واحدة منها تخدم مصالحهم وفي الوقت نفسه تضربنا بل تنسفنا نسفًا، إن كل واحدة من هذه البدع أدخلت في عقيدتنا، نحن الشيعة الإمامية، لإحكام طوق العبودية علينا والتحكم فينا كما يشاء الفقهاء، إذن السذاجة وحدها لم تلعب الدور الكافي، بل استغلال الفقهاء حبَّ الشيعة لأهل بيت رسول الله ) صلى الله عليه وسلم ( مضافًا إليه البدع التي أحدثوها في العقيدة جعلت من الشيعة أداة طيعة للفقهاء، يضحون في سبيل مآربهم في ساحات الوغى مرة وفي ساحات البلاء مرة أخرى، ولم يكن الفقهاء و حدهم هم الذين لعبوا هذا الدور الخطير في انحراف الشيعة عن نهجها الصحيح القويم المتمثل في تبعيته لفقه الإمام الصادق، بل كان للفقهاء أجنحة أخرى استمدّوا قوتهم منها وهم الرواة ورجال الحديث والمفسرون الذين نسبوا إلى أئمتنا الكرام زورًا وبهتانًا روايات وأحاديث كلها تؤيد البدع والتجاويف والتجاعيد التي أدخلوها في العقيدة الشيعية لصالحهم وتفسير الآيات القرآنية حسب أهوائهم بصورة تخدم أهواء الفقهاء، وبهذين الجناحين استطاع الفقهاء أن يحكموا قيود الاستغلال والاستبداد على أعناق الشيعة عبر التاريخ."

كان فقهاؤنا على علم كامل بالنفسية الشيعية التي كانت مهيأة للخضوع إلى ما يطلب منها في عهد الظلام فنصبوا أنفسهم أولياء وأوصياء عليهم. ولكي تكون الحجة دامغة في نظرهم نسبوا روايتين إلى الإمام المهدي تقول إحداهما: (أما الحوادث الواقعة فارجعوا إلى فيها رواة أحاديثنا) . وتقول الثانية: (أما من كان من الفقهاء صائنًا لنفسه حافظًا لدينه مخالفًا لهواه مطيعًا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه) . وهاتان الروايتان حتى وإن صح صدورهما فهذا لا يعني وجوب التقليد بالصورة التي رسمها فقهاؤنا، ولا تعني أبدًا أن للفقهاء الحق في أن يأمروا الشيعة بالقيام بكل ما يرونه من حق وباطل، ولا يعني أبدًا أن لهؤلاء حق الولاية، ولا يعني أبدًا أن من لم يأخذ برأيهم في مسألة فقهية أو غير فقهية فعمله عاطل باطل. لقد استخرجوا من هاتين الروايتين ـ وحتى إن صح صدورهما عن الإمام المهدي ـ مفاهيم ومضامين تتناقض تناقضًا تامًا مع منطوق الروايتين ولكن عندما تحكم السذاجة العقل الإنساني ويواجه هذا العقل الساذج دهاء المخططين فحينئذ يسهل الوصول إلى ما يصبو إليه المخططون الدهاة، وأعتقد جازمًا أن فقهاءنا لم يقصدوا من استعبادنا ـ نحن الشيعة الإمامية ـ السيطرة الروحية والفكرية علينا فحسب، بل كانوا يخططون لأمرين كل واحد منهما أخطر من الآخر، كانوا يخططون للسيطرة على أموال الشيعة ومن ثَمَّ الاستيلاء على مقاليد الحكم. فأدخل الفقهاء تلك البدعة الكبرى في العقيدة الشيعية وفسروا الآية الكريمة التي تقول: {واعًلّمٍوا أّنَّمّا غّنٌمًتٍم مٌَن شّيًءُ فّأّنَّ لٌلَّهٌ خٍمٍسّهٍ ولٌلرَّسٍولٌ ...} [الأنفال: 41] ، بأن هذه الآية نزلت في أرباح المكاسب؛ في حين أن المفسرين وأرباب الأحاديث والفقهاء أجمعوا على أنها نزلت في غنائم الحرب ولا علاقة لها بأرباح المكاسب، ثم أفتوا بوجوب تسليم هذا الخمس إلى يد الفقهاء، وأضافوا أن الش يعة إذا لم تسلم خمس أرباحها إلى يد المجتهد أو الفقيه فإن صلاتهم باطلة وصومهم باطل وحجهم باطل وهكذا دواليك، وخضعت الشيعة المسكينة إلى هذه الفتوى التي ما أنزل الله بها من سلطان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت