فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 78

وهذا المفهوم الثوري المستمر كان له في الحركة السياسية الشيعية اللبنانية نصيب وافر؛ فقد ترجمه خطباء الحركة الخمينية بلبنان ونقلوه إلى"اللبنانية"، أو الكلام السياسي اللبناني، بعبارة"الحالة الجهادية"أو"الثورية أو الإسلامية"، وهي تعني الخروج من كل أشكال الإدارة التي تمتُّ بصلة إلى الدولة ومؤسساتها وقوانينها عامة، وإلى كيانها الحقوقي خاصة. لذا يحرص أبناء"حزب الله"على استمرار التشرذم والتجاذب والتخبط حرصهم على حدقات عيونهم، ويرفعون هذه الحال إلى مرتبة المثال. ويخاطب محمد حسين فضل الله جمهور المصلين في مسجد بلدة النبي عثمان قائلًا:"وعلينا أن نخطط للحاضر والمستقبل؛ لنكون مجتمع حرب!!"ويضيف:"إن الحرب هذه (مفروضة) ، شأن كل الحروب التي يحل خوضها للإماميين، ولا يحل لهم خوض غيرها"، (1) والحرب"المفروضة"هي النظير الإيراني لحرب التطويق السوفييتية: فكلُّ ما يوقف توسع أصحاب مجتمع الحرب عدوانٌ عليهم.

الفصل الثاني: من هامش الحياة إلى نسيجها

بين بداية القرن ونهايته

كانت الحالة الدينية السياسية الشيعية في بداية القرن العشرين الميلادي حالة منكمشة إلى حد كبير، وكان هناك تهميش واضح للشيعة باعتبارهم"طائفة"، وكان ذلك التهميش الذي عاناه"جبل عامل"والشيعة عامة خلال فترة الانتداب على لبنان وفترة بناء الدولة والاستقلال حال دون احتلال مواقع في الدولة تسمح أو تدفع بالمشاركة في سباق ادعاء رموز تاريخية مؤسسة لها من الطائفة الشيعية. (2)

وعلى مستوى الحالة الدينية فقد ضعف دور العلماء وعزف الشيعة اللبنانيون عن العمامة ـ أي طلب العلم الشيعي الديني ـ وانزوى المسجد، وقد شهد أحدهم على هذا الواقع فقال:"فهذه القرى العاملية لا تذكر اسم الله ـ تعالى ـ في ليل ولا نهار، برغم سخاء المهاجرين على بناء المساجد؛ وكان يوجد وقتها [1920 ـ 1930م] ما يزيد على الأربعمائة مسجد بين مسجد كبير وصغير". (3)

وتزامنت هذه الحالة الرثة والهامشية مع تغيرات عالمية ضخمة، فكان سقوط الخلافة العثمانية، وبدايات الدعوة إلى القومية العربية عقب الدعوة الطورانية التركية، والحرب العالمية الأولى، ثم كانت الدولة البهلوية"العلمانية". وكانت هذه الظروف وغيرها مجتمعة أدت إلى بدايات النهضة الحديثة للشيعة الإمامية التي انتهت في 1979م، بقيام الجمهورية الإسلامية ورغبة في قيام جمهوريات أخرى على غرار المثال الأم.

وبين هذه النهضة في بداية القرن وقيام الدولة وسعيها إلى إنشاء دول أخرى، خاصة في لبنان كانت هناك جهود كبيرة لذلك، وكان"حزب الله"مرحلة من مراحل ينبغي أن نقف عليها.

من هامش الحياة إلى نسيجها

"النظام اللبناني غير شرعي ومجرم"و"من الضروري تسلم المسلمين الحكم في لبنان كونهم يشكلون أكثرية الشعب". (4)

فتويان: الأولى خمينية، والأخرى خامنئية، وضعتهما الحركة الشيعية في لبنان في بؤرة القلب وبؤبؤ العين، ورفعتهما إلى مرتبة الهدف الذي يُسعى لتحقيقه. كما أفتى رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، مهدي شمس الدين بذلك أيضًا حين قال:"إن الدولة وجدت نتيجة لعقد، هذا العقد تبرمه الأكثرية من المواطنين بإرادتهم الحرة، فينتج عن إبرامه كيان الدولة، ومن المؤكد أن التنازل عن الهوية الثقافية والدينية ومظاهرها في المؤسسات والقوانين يتنافى مع موجبات هذا العقد، ولا يؤثر على موجبات هذا العقد موقف الأقلية التي توافق على التنازل عن هذه الهوية؛ فإن على الأقلية في هذه الحالة أن تخضع للأكثرية" (5) (6)

وفي معرض رده على الأسئلة الموجهة إليه في أحد البرامج قال محمد حسين فضل الله:"لم يكن هؤلاء الذين حكموا العالم الإسلامي في الماضي يحكمون باسم الإسلام فنحن لا نعتقد ـ على سبيل المثال ـ أن الحكم العثماني كان عادلًا وحرًا وإسلاميًا!!". (7)

وهكذا يُخرج الفقهاء الشيعة فتاويهم دون اعتبار لعامل التاريخ أو الجغرافيا ومن دون تقية كذلك.

(1) جريدة النهار، 14/5/1986م.

(2) انظر: د. وجيه كوثراني، مصدر سابق، ص 79.

(3) دولة حزب الله، ص 177.

(4) انظر مقال: صادق الموسوي، مجلة الشراع، 17/5/1993م. وانظر: وضاح شرارة، دولة حزب الله، ص 342.

(5) د. وجيه كوثراني، المسألة الثقافية في لبنان، الخطاب السياسي والتاريخ، ص 20 ـ 21.

(6) ورد في الموسوعة العربية العالمية، ج 21/71 أن عدد السكان الشيعة في لبنان في عام 1990م بلغ مليون ومئتي ألف نسمة، أي بنسبة 54% من السكان المسلمين الذين يمثلون 62% من سكان لبنان. كما تذكر مصادر أخرى أنهم يشكلون 50% من نسبة السكان كما ورد ضمن حلقات الإسلام والكونجرس، مجلة المجتمع، العدد: 928، ص29، كما أوردت مجلة المجلة في العدد: 795/13/4/1995م أن عدد الشيعة في لبنان يبلغ 42% من مجموع سكان لبنان.

(7) قراءة في فكر زعيم ديني لبناني، ضمن حلقات الإسلام والكونجرس الأمريكي، د. أحمد إبراهيم خضر، مجلة المجتمع، العدد: 953، ص 45.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت