فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 78

ولأثر التبديل فقد احتل الفقهاء والآيات والحجج مكانة عالية بلغت درجة التقديس، وأضحت الفتاوى، بل الكلام المجرد من القداسة الدينية ارتفع إلى مرتبة القداسة في النفوس.

وقد دأب الفكر الإمامي على ربط الأمة الجعفرية برموز غير قابلة للنقد أو التجريح، وأعطاهم ـ أو أعطوا لأنفسهم ـ صلاحيات وصلت إلى خصائص الإمام الغائب المعصوم المعيَّن من قِبَلِ الله ـ تعالى ـ!! ولقد تجاوزت هذه الصلاحيات ما كان معطى للشاه المستبد الطاغية الدكتاتور عميل الإمبريالية والصهيونية!! فقد أقر مجلس الخبراء الإيراني على إعطاء الولي الفقيه صلاحيات تفوق ما كان مخولًا به الشاه السابق، ونص على ذلك في المادة (107) من الدستور الإيراني. (1)

كما تنص الفقرة (110) من الدستور نفسه على منح الفقيه سلطات واسعة لتعيين المسؤولين الكبار الآخرين، والموافقة على المرشحين لمنصب الرئاسة، وعزل الموظفين غير الأكفاء وتولي القيادة العامة للقوات المسلحة، مع تعيين قادة الجيش النظامي والحرس الثوري أو عزلهم وتنظيم مجلس الدفاع الأعلى الذي يعتبر أعلى هيئة لصنع القرار في القوات المسلحة الإيرانية. (2)

"الثورة الإسلامية في لبنان"هذه العبارة هي آخر ما تقرؤه على عَلَم"حزب الله"في لبنان، والثورة بهذا الوصف محاولة استنساخ للثورة الأم في قم وكلتاهما ثورة آيات، أي أن العِلم الديني الإمامي هو أساس التصور والحركة؛ فالثورة ـ حسب المعلن ـ ثورة دينية، إمامها فقيه، رئيسها فقيه، وزيرها فقيه؛ فالمثال الذي ينبغي وضعه نصب العين هو إرادة الفقهاء؛ ولهذا فقد كان للحوزات والحسينيات دور هام في غرس مفاهيم التقديس، ودورها كذلك في إمداد الثورة بالوقود البشري.

الملالي.. ومدارج المعالي

مع نهاية الغيبة الصغرى المدَّعاة للمهدي وجد علماء الشيعة أنفسهم في حيرة شديدة، وذلك خوفًا من انكشاف حقيقة أمر الغيبة والمهدي ودعاوى أخرى كثيرة لا تصل إلى الحق بسند ولا نسب، فأخرجوا مرسومًا منسوبًا إلى مهديهم الغائب يقول فيه:"أما الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله"ثم تبعوه بمرسوم آخر يقول فيه:"أما من كان من الفقهاء صائنًا لنفسه، حافظًا لدينه، مخالفًا لهواه، مطيعًا مولاه، فللعوام أن يقلدوه". (3)

ولهذا فقد وسع إمامهم المعاصر أن يقول: إن الفقهاء"هم الحجة على الناس كما كان الرسول ) صلى الله عليه وسلم ( حجة عليهم، وكل من يتخلف عن طاعتهم فإن الله يؤاخده ويحاسبه على ذلك، وعلى كل فقد فوض الله إليهم"أي الأنبياء"جميع ما فوض إليهم، وائتمنهم على ما ائتمنوا عليه".(4)

"والله جعل الرسول وليًا للمؤمنين، ومن بعده الإمام وليًا، ومعنى ولايتهما أن أوامرهما الشرعية نافذة في الجميع، نفس هذه الولاية والحاكمية موجودة لدى الفقيه بفارق واحد، هو أن ولاية الفقيه على الفقهاء الآخرين لا تكون بحيث يستطيع عزلهم أو نصبهم". (5)

"فإذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عالم عادل فإنه يلي من أمور المجتمع ما كان يليه النبي (صلى الله عليه وسلم) ، وجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا". (6)

وقد نسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: وعلماء أمتي كالأنبياء السابقين (7) بل لقد وسعه أن يقول:"الفقيه الرافضي بمنزلة موسى وعيسى!!". (8)

ولهذا لم يكن مستغربًا أن يقول أحد المسؤولين الإيرانيين: إن الخميني أعظم من النبي موسى وهارون (9) وترتفع وتيرة التجاوزات في إعطاء الصلاحيات لفقهاء المذهب حين كتب آية الله آزاري قمي يقول:"ليس لدى الولي الفقيه أية مسؤولية أخرى غير إقامة نظام الحكم الإسلامي، حتى لو اضطره ذلك إلى أمر الناس بالتوقف مؤقتًا عن الصلاة والصيام والحج.. أو حتى الإيمان بالتوحيد!!". (10)

(1) انظر: بهمان بختياري، المؤسسات الحاكمة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ضمن مجموعات أبحاث تحت عنوان: إيران والخليج، البحث عن الاستقرار، إعداد: جمال سند السويدي، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ط 1، 1996م، ص 75.

(2) كينيث كاتزمان، الحرس الثوري الإيراني، نشأته وتكوينه ودوره، ص 60.

(3) انظر: أصول مذهب الشيعة، للقفاري، ج 2/894، وانظر: تطور الفكر السياسي الشيعي 419 ـ 437.

(4) الحكومة الإسلامية، الخميني، ص 80.

(5) المصدر السابق، ص 51.

(6) المصدر السابق، ص 49.

(7) انظر إيران: تحديات العقيدة والثورة، د. مهدي شحادة، د. جواد بشارة، مركز الدراسات العربي ـ الأوروبي، ط/ 1، 1999م، ص 19.

(8) الحكومة الإسلامية، ص 95.

(9) انظر: د. موسى الموسوي، الثورة البائسة، ص 147.

(10) انظر: مهدي نور بخش، الدين والسياسة والاتجاهات الأيديولوجية في إيران المعاصرة، ضمن: إيران والخليج، البحث عن الاستقرار، ص 48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت