ويرى الخميني أن ولاية الفقيه الشيعي كولاية رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيقول:"فالله جعل الرسول وليًا للمؤمنين جميعًا ومن بعده كان الإمام وليًا، ومعنى ولايتهما أن أوامرهما الشرعية نافذة في الجميع"ثم يقول:"نفس هذه الولاية والحاكمية موجودة لدى الفقيه، بفارق واحد هو أن ولاية الفقيه على الفقهاء الآخرين لا تكون بحيث يستطيع عزلهم أو نصبهم؛ لأن الفقهاء في الولاية متساوون من ناحية الأهلية". (1)
"وإن معظم فقهائنا في هذا العصر تتوفر فيهم الخصائص التي تؤهلهم للنيابة عن الإمام المعصوم". (2)
هذا الانقلاب يعتبر نسخًا لكل ما انبنى عليه دين الإمامية، أو على حد قول من قال:"إن الخميني أخرج (المهدي المنتظر) عند الروافض". (3)
من الانتظار إلى الثوار
إن الفكر السياسي الإمامي هو فكر ثوري بطبيعته، وانتقامي من نشأته إلى منتهاه، وكما يقول قائلهم:"الشيعة هم التيار الثوري على مدار تاريخ المسلمين، لديهم عقدة ذنب متأصلة منذ مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب في كربلاء على يد زبانية يزيد بن معاوية ثاني حكام الدولة الأموية، عقدة سببها أنهم تخلوا عن الحسين الذي خرج يطلب الإمارة، وخذلوه؛ بل وسلمه نفر منهم إلى عدوه اللدود، ليمثل بجثته ويسبي أهله وذويه، وقد أتاح لهم الزمن"عدوًا جديدًا"يعوضون في جهاده وقتاله والثأر منه ما اقترفوه في كربلاء؛ وبالفعل هم يقاتلون بكل الهموم والآلام والأحزان والاضطهاد الذي جثم على صدورهم طيلة ما يقرب من 1300 سنة، يجاهدون ضده بعقيدة متماسكة وشعار حاد"كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء"، وإذا لم تكن الدماء قد جرت في كربلاء دفاعًا عن الحسين، فلتَسِلْ أنهارًا يغسلون بها العار عن الأرض ويستعيضون بها عن الشرف الضائع!". (4)
وتمت المبالغة في تحويل نظرية"الانتظار"السلبية إلى نظرية ثورية، كما قال عبد الهادي الفضلي:"إن الذي يُفاد من الروايات في هذا المجال هو أن المراد من الانتظار هو وجوب التمهيد والتوطئة بظهور الإمام المنتظر... وإن التوطئة لظهور الإمام المنتظر تكون بالعمل السياسي عن طريق إنارة الوعي السياسي والقيام بالثورة المسلحة!!". (5)
وإن كانت الدولة النبوية في المدينة التي أقامها المصطفى (صلى الله عليه وسلم ) هي أمنية الأماني التي يُسعى لتحقيقها باعتبارها نموذجًا ومثالًاَ يُقتفى أثره ويُرجى الوصول إلى صورته؛ فإن هذا النموذج لم يكن هو المثال والهدف الذي يسعى إليه الإمامية؛ بل كان مثالهم دائمًا ـ وحتى يظهر مهديهم المنتظر ـ هذه"المصيبة"الكربلائية التي هي دائمًا ماثلة أمامهم.
"فالأمة الحسينية أمة متصلة قوام اتصالها بـ"المصائب"المتعاقبة عليها، ومواقف الثورة الكربلائية التي لم تنقطع، هناك تدرك تمامًا أنك تعرفهم فردًا فردًا منذ آلاف السنين، قاتلت معهم وقاتلوا معك، واستشهدتم سويًا في كربلاء، هناك تدرك تمامًا أن المهدي ليس بعيدًا وأنه في مكان ما على الجبهة". (6)
"وإذا غدا استمرار الثورة ودوامها من بعد حدوثها إنجاز الثورة الأعظم أوجب تجديد الإعجاز كل يوم، والقيام بالثورة من غير انقطاع ولا تلكؤ، ولا يُرتب تجديد الإعجاز حين تتصل الثورة الإسلامية الخمينية بين كربلاء وبين ظهور المهدي، إلا إظهار الدلائل على قيام الثورة، وحفظ معناها، والحؤول بين هذا المعنى وبين الاضمحلال والضعف. ولا يتم ذلك إلا بالإقامة على الحرب وفي الحرب."
وينبغي لهذه الحرب أن تكون الحرب الأخيرة، ولو طالت قرونًا؛ لأنها تؤذِن بتجديد العالم كله، وبطيِّ صفحة الزمان". (7) "
"فلم تكن الحرب بضواحي البصرة وعلى ساحل شط العرب إلا مقدمة حروب كثيرة أوكلت إليها القيادات الخمينية الشابة التمهيد لـ"فَرَج"المهدي صاحب الزمان من غيبته الكبرى، ولبسطه راية العدل على"الأرض"كلها، وتوريثه ملك الأرض للمستضعفين". (8)
وقد أعلن الخميني عن مقصده وخططه وعزمه، من أن انتصار قواته ـ الذي كان يأمله ـ سيضم الشعب العراقي المضطهد إلى الشعب الإيراني، ليقيما معًا ـ حسب أمانيهما ـ دولة إسلامية، وإذا توحد البلدان فإن الدول الصغيرة الأخرى في المنطقة ستنضم إليهم، وقد كان الطريق إلى لبنان يمر عبر العراق. (9)
واعتذر نائب وزير الخارجية الإيراني محمد عزيزي عن ضعف مشاركة القوات الإيرانية في القتال بلبنان؛ بأن الطريق إليه"تمر عبر العراق"!! فلا تصبح قوات إيران حرة تمامًا في أن تلعب دورًا جوهريًا في لبنان إلا بعد سقوط النظام العراقي. (10)
(1) المصدر السابق، ص 51.
(2) المصدر السابق، ص 113.
(3) د. ناصر القفاري، أصول مذهب الشيعة، ج3، ص 1169.
(4) مجلة المقاومة، العدد: (35) ، ص 16.
(5) في انتظار الإمام، ص 57، 67.
(6) دولة حزب الله، ص 287.
(7) المصدر السابق، ص 276.
(8) المصدر السابق، ص 231.
(9) انظر: المصدر السابق، ص 313، 315.
(10) انظر: المصدر السابق، ص 227.