فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 78

وقد قال الخميني:"في عصر غيبة ولي الأمر وسلطان العصر عجل الله فرجه الشريف يقوم نوابه وهم الفقهاء الجامعون لشرائط الفتوى والقضاء مقامه في إجراء السياسات وسائر ما للإمام عليه السلام إلا البدأة بالجهاد". (1)

فهكذا كانت هذه النظرية"العقدية"والسياسية عائقًا كبيرًا أمام الشيعة الإمامية في الانطلاق إلى تحقيق عقيدة الثأر الكربلائية، والانتقام ممن قتل الحسين ـ رضي الله عنه ـ وإن كان هذا الموقف ظاهريًا يُخفي خلفه أحلامًا توسعية. (2)

فقد بدأ الانقلاب على البدعة ببدع أخرى؛ ولكنها هذه المرة تساعد على الخروج من هذه الشرنقة القاتلة التي وضعوا أنفسهم فيها بعد أن ضاقت عليهم بدعتهم وقال قائلهم: اللهم طال الانتظار، وشمت بنا الفجار، وصعب علينا الانتظار. (3)

الأطوار المنسوخة

مر المنهج الشيعي بأطوار يختلف بعضها عن بعض بشكل كبير؛ فبعد وفاة الإمام الحادي عشر الحسن العسكري بغير ولد اضطرب الشيعة وتفرق جمعهم؛ لأنهم أصبحوا بلا إمام، ولا دين لهم بلا إمام؛ لأنه هو الحجة على أهل الأرض، وبالإمام عندهم بقاء الكون؛ إذ"لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت"وهو أمان الناس"ولو أن الإمام رُفِعَ من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله"ولكن الإمام مات بلا عقب، ولم يحدث شيء من هذه الكوارث، فتحيرت فرق الشيعة واختلفت، فادعت طائفة منهم أن الحسن له ولد غائب حفاظًا على المكاسب الأدبية والمادية، وأن له نوابًا هم الواسطة بينه وبين الناس، وكانوا أربعة، وكانوا يجمعون الأموال من الناس لإيصالها لهذا الغائب، وكانت لهم الطاعة، فلهم ما للإمام، ولقولهم صفة القداسة والعصمة، وهم مخوَّلون كذلك بالتشريع، ثم كان أن توفي رابع النواب، ولم يوص بنائب خامس بعده، وأخرجوا مرسومًا موقعًا من الإمام الغائب يقول فيه:"أما الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله".

فانتهت بذلك ما تسمى الغيبة الصغرى وبدأ تطور جديد بتفويض أمر النيابة عن الإمام المنتظر إلى رواة حديثهم وواضعي أخبارهم بعد النواب ، وقد أفاد هذا التطور الشيعة في تخفيف التنافس على منصب البابية وبدأت الغيبة الكبرى. (4)

وكل هذا العنت كان لربط الناس بأحلام مستمرة عن قيام دولة شيعية، وكلما اقتربت مرحلة التخدير النفسي من النهاية بدأ تطور آخر وأحلام أخرى حتى لا يتفلت الناس من هذه البدع، وإن كان هذا قد حدث بالفعل مع نهاية كل مرحلة وبداية كل تطور جديد.

وكانت نظرية"ولاية الفقيه"التي تنازل فيها الفكر الإمامي عن شرط العصمة والنص في الإمام، وسمح بالنيابة الواقعية للفقهاء عن الإمام، والتي تسمح لهم بممارسة القضاء وتوجب التقاضي إليهم، وهو ما كان محرمًا عندهم من قبلُ، وفتح باب الاجتهاد الذي كان محرمًا كذلك، والقول بالقياس، وانسحبت أشكال التطور أو"التبديل"على كافة محرمات"نظرية الانتظار"كالعمل المسلح"الثورة"والإمامة والجهاد والحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلاة الجمعة؛ فقد طالت غيبة الإمام وتوالت القرون دون أن يظهر، والشيعة محرومون من دولة شرعية حسب اعتقادهم، فبدأت فكرة القول بنقل وظائف المهدي تداعب أفكار المتأخرين؛ فهذا الخميني يقول:"قد مر على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي أكثر من ألف عام، وقد تمر ألوف السنين قبل أن تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر في طول هذه المدة المديدة، فهل تبقى أحكام الإسلام معطلة يعمل الناس من خلالها ما يشاؤون ؟ ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج؟ القوانين التي صدع بها نبي الإسلام ( صلى الله عليه وسلم ) وجهد في نشرها، وبيانها وتنفيذها طيلة ثلاثة وعشرين عامًا، هل كان كل ذلك لمدة محدودة؟ هل حدد الله عمر الشريعة بمائتي عام مثلًا؟ الذ هاب إلى هذا الرأي أسوأ في نظري من الاعتقاد بأن الإسلام منسوخ".

ثم يقول:"إذن فإن كل من يتظاهر بالرأي القائل بعدم ضرورة تشكيل الحكومة الإسلامية فهو ينكر ضرورة تنفيذ أحكام الإسلام، ويدعو إلى تعطيلها وتجميدها، وهو ينكر بالتالي شمول وخلود الدين الإسلامي الحنيف". (5)

ويقول:"وبالرغم من عدم وجود نص على شخص من ينوب عن الإمام حال غيبته، إلا أن خصائص الحاكم الشرعي موجودة في معظم فقهائنا في هذا العصر؛ فإذا أجمعوا أمرهم كان في ميسورهم إيجاد وتكوين حكومة عادلة منقطعة النظير". (6)

وإذا كانت حكومة الآيات والفقهاء لا مثيل لها في العدل ـ كما يقول ـ فما حاجتهم بخروج المنتظر إذًا ؟

(1) تحرير الوسيلة للخميني، /ج/1/482.

(2) انظر: عبد المنعم شفيق، ويل للعرب"مغزى التقارب الإيراني مع الغرب والعرب"، ص: 108 ـ 131، مكتب الطيب، القاهرة، ط/1/1420هـ.

(3) انظر: د. ناصر عبد الله القفاري، أصول مذهب الشيعة، ج/2/847، 892 ـ 897، ط/1/1414هـ.

(4) انظر: د. ناصر عبد الله القفاري، أصول مذهب الشيعة، ج/2/847، 892 ـ 897.

(5) الحكومة الإسلامية، ص 26 ـ 27.

(6) المصدر السابق، ص 48 ـ 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت