فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 78

وقال السيد حمزة بن علي بن زهرة الحسيني، المعروف بأبي المكارم (511 ـ 585 هـ) في كتابه (الغنية) :"الجهاد يجب بأمر الإمام العادل، به أو من ينصبه الإمام، أو من يقوم مقام ذلك من حصول خوف على الإسلام أو على النفس أو الأموال، ومتى اختل شرط من هذه الشروط سقط فرض الجهاد بلا خ لاف أعلمه".

واعتبر ابن إدريس:"أن الجهاد مع الأئمة الجُوّار أو من غير إمام خطأ يستحق فاعله به الإثم، إن أصاب لم يؤجر وإن أُصيب كان مأثومًا"، وقال:"إن المرابطة فيها فضل كبير إذا كان هناك إمام عادل، ولا يجوز مجاهدة العدو من دون ظهور الإمام". وصرح يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع بحرمة الجهاد من دون إذن إمام الأصل، و"أن وجوبه مشروط بحضور الإمام داعيًا إليه أو من يأمره". وقسم العلاَّمة الحلِّيّ في تحرير الأحكام وتذكرة الفقهاء الجهاد إلى قسمين: الأول: الدعاء إلى الإسلام، والثاني: الدفاع عن المسلمين؛ واشترط في الأول إذن الإمام العادل أو من يأمره الإمام. واعتبر الحلي في تذكرة الفقهاء القتال مع غير الإمام المفروض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير. واشترط في كتاب (الألفين) أن يكون الرئيس المكلف بقيادة الجهاد معصومًا؛ لأن الجهاد فيه سفك الدماء وإتلاف الأموال، فلا بد من أن يتيقن صحة قوله. وتساءل باستغراب:"كيف يقاتل وغير المعصوم لا يحصل الوثوق بقوله فتنتفي فائدة التكليف؟!".

وقال المقداد السيوري في كنز العرفان:"الجهاد المأمور به إنه هو الجهاد مع الإمام المعصوم، لا أي جهاد كان".

وبالرغم من قيام الدولة الشيعية الصفوية تحت رعاية المحقق الكركي الشيخ علي بن الحسين، فإنه رفض تعديل الحكم في عصر الغيبة، وحصر في كتاب (جامع المقاصد في شرح القواعد) وجوب الجهاد بشرط الإمام أو نائبه، وفسَّر المراد بالنائب بـ"نائبه المنصوص بخصوصه حال ظهور الإمام وتمكنه، لا مطلقًا". وأغفل الشيخ بهاء الدين العاملي بحث الجهاد في كتابه: (جوامع عباسي) وفسر سبيل الله في عصر الغيبة ببناء الجسور والمساجد والمدارس.

وحصر السيد علي الطباطبائي في كتاب: (رياض المسائل في بيان الأحكام بالدلائل) وجوب الجهاد مع وجود الإمام العادل، وهو المعصوم أو من نصبه لذلك، أي النائب الخاص المنصوب للجهاد أو لما هو أعم.

أما العام كالفقيه؛ فقال:"إنه لا يجوز له ولا معه الجهاد حال الغيبة بلا خوف أعلمه". وأكّد أن"النصوص متضافرة من طرقنا بل متواترة، منها: أن القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير، ومنها: لا غزو إلا مع إمام عادل، والجهاد واجب مع إمام عادل". وصرح الشيخ جعفر في كتاب: (كاشف الغطاء في كشف الغطاء) باشتراط حضور الإمام أو نائبه الخاص دون العام في وجوب الجهاد الذي يُراد به الجلب إلى الإسلام، واعتبر أن ذلك مخ صوص بالنبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه وبمن نصبوه بالخصوص دون العموم.

وذكر الشيخ محمد حسن النجفي (1266 هـ) في (جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام) ، نصوصًا كثيرة حول اشتراط وجود الإمام في وجوب الجهاد، وقال: إن مقتضاها كصريح الفتاوى في عدم مشروعية الجهاد مع الجائر وغيره، (العادل غير المعصوم) .

وفي كتاب: (المسالك) وغيره: عدم الاكتفاء بنائب الغيبة، فلا يجوز له توليه، ونفى علم الخلاف فيه حاكيًا له عن كتاب: (ظاهر المنتهى) و (صريح الغنية) وظاهرهما الإجماع، مضافًا إلى ما سمعته من النصوص المعتبرة وجود الإمام.

وأكد النجفي عدم إذن الأئمة للفقهاء في زمن الغيبة بجهاد الدعوة المحتاج إلى سلطان وجيوش وأمراء، وادعى علم الأئمة بعدم الحاجة إليه وإلى بعض الأمور المشابهة في عصر الغيبة، وقصور اليد فيها عن ذلك.

وربط بين إمكانية الجهاد في عصر الغيبة وبين ظهور دولة الحق، أي دولة الإمام المهدي الذي لم يختفِ إلا تحت وطأة الخوف.

ولم يتحدث السيد كاظم اليزدي (1919م) عن الجهاد في (العروة الوثقى) ، وفسر سبيل الله الوارد في مصارف الزكاة بأنه جميع سبل الخير، كبناء القناطر، والمدارس، والخانات، والمساجد، وتعميرها وتخليص المؤمنين من يد الظالمين، ونحو ذلك من المصالح، كإصلاح ذات البين، ودفع وقوع الشرور والفتن بين المسلمين، وكذا إعانة الحُجَّاج والزائرين، وإكرام العلماء والمشتغلين، مع عدم تمكنهم من الحج والزيارة والاشتغال ونحوها من أموالهم. ولا يذكر أحدٌ من العلماء المعاصرين ـ كالكبايكاني والشاهرودي والخونساري والخوئي والقمي والشريعتمداري الذين يعلقون على العروة الوثقى ـ لا يذكرون شيئًا عن الجهاد أو تفسير كلمة سبيل الله به.

ومن هنا ـ وإذا استثنينا عددًا محدودًا جدًا من الفقهاء الذين شككوا في تحريم الجهاد، وربطه بالإمام العادل المعصوم ـ يكاد يكون إجماع الفقهاء الإمامية عبر التاريخ ينعقد على تحريم الجهاد، بمعنى الدعوة للإسلام والقتال من أجل ذلك، وخاصة لدى العلماء الأوائل منهم. (1)

(1) انظر: أحمد الكاتب، مصدر سابق، ص 292 ـ 299، باختصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت