فقد نسبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أفضل أعمال أمتي انتظار فرج الله - عز وجل"يعنون به خروج الغائب المنتظر، وجعلوا الانتظار أحب الأعمال إلى الله، و"المنتظرون لظهوره أفضل أهل كل زمان". (1)
وبالرغم من قيام الدولة البويهية الشيعية في القرن الرابع الهجري، وسيطرتها على مناطق واسعة من الدولة العباسية، فإن العلماء الإماميين ظلوا متمسكين بنظرية الانتظار وتحريم العمل السياسي، وقد قال محمد بن أبي زينب النعماني (توفي سنة 340 هـ) في كتابه الغيبة:"إن أمر الوصية والإمامة بعهد من الله ـ تعالى ـ وباختياره، لا من خلقه ولا باختيارهم؛ فمن اختار غير مختار الله وخالف أمر الله ـ سبحانه ـ وَرَدَ موردَ الظالمين والمنافقين الحالِّين في ناره".
وقال في باب"ما أُمر الشيعة به من الصبر والكف والانتظار للفرج وترك الاستعجال بأمر الله وتدبيره"بعدما ذكر سبع عشرة رواية حول التَّقِيَّة والانتظار في عصر الغيبة:"انظروا ـ يرحمكم الله ـ إلى هذا التأديب من الأئمة وإلى أمرهم ورسمهم في الصبر والكف والانتظار للفرج، وذكرهم هلاك المحاضير والمستعجلين، وكذب المتمنين، ووصفهم نجاة المسلمين، ومدحهم الصابرين الثابتين، وتشبيههم إياهم على الثبات بثبات الحصون على أوتادها، فتأدبوا، رحمكم الله، وامتثلوا أمرهم، وسلِّموا لهم ولا تتجاوزوا رسمهم، ولا تكونوا ممن أرداه الهوى والعجلة، ومال به الحرص عن الهدى والمحجة البيضاء".
وكان من تلك الروايات التي اعتمد عليها محمد بن أبي زينب النعماني في تنظيره لفكرة الانتظار، ما رواه عن أبي جعفر الباقر أنه قال:"الزم الأرض، لا تحركن يدك ولا رجلك أبدًا حتى ترى علامات أذكرها لك، وإياك وشذاذ آل محمد؛ فإن لآل محمد وعلي راية ولغيرهم رايات، فالزم الأرض ولا تتبع منهم رجلًا أبدًا حتى ترى رجلًا من ولد الحسين معه عهد النبي ورايته وسلاحه.. فالزم هؤلاء أبدًا وإياك ومن ذكرت لك".
"أوصيك بتقوى الله، وأن تلزم بيتك وتقعد في دهماء هؤلاء الناس، وإياك والخوارج منا؛ فإنهم ليسوا على شيء ولا إلى شيء".
"انظروا إلى أهل بيت نبيكم؛ فإن لبدوا فالبدوا، وإن استصرخوكم فانصروهم تؤجروا، ولا تستَبِقوهم فتصرعكم البلية".
"كل راية تُرفع قبل راية المهدي فصاحبها طاغوت يُعبد من دون الله"."كل بيعة قبل ظهور القائم فإنها بيعة كفر ونفاق وخديعة".
"واللهِ لا يخرج أحدٌ منا قبل خروج القائم إلا كان مثله كمثل فرخ طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه فأخذه الصبيان فعبثوا به". (2)
وجاء في كتاب بحار الأنوار عن المفضل بن عمر ابن الصادق أنه قال:"يا مفضل كل بيعة قبل ظهور القائم فبيعة كفر ونفاق وخديعة، لعن الله المبايع والمبايَع له". (3)
وكما أثَّرت قضية الإمامة والولاية فكذلك أَثَّرتْ نظرية"الانتظار"على موضوع حديثنا، العمل الثوري"الجهاد"فتعطل، وكان مُحرَّمًا. وقد نتج عن الالتزام بنظرية الانتظار، وتفسير شرط الإمام المُجمَع عليه في وجوب الجهاد أنه الإمام المعصوم نتج عن ذلك أن تَعَطَّلَ الجهاد في عصر الغيبة. فقد اشترط الشيخ الطوسي في كتاب المبسوط ـ في وجوب الجهاد ـ اشترط ظهور الإمام العادل الذي لا يجوز لهم القتال إلا بأمره، ولا يسوغ لهم الجهاد دونه، أو حضور مَنْ نصَّبه الإمام للقيام بأمر المسلمين، وقال بعدم جواز مجاهدة العدو متى لم يكن الإمام ظاهرًا، ولا مَنْ نصَّبه الإمام حاضرًا، وقال:"إن الجهاد مع أئمة الجور أو من غير إمام خطأ يستحق فاعله به الإثم، وإن أصاب لم يؤجر وإن أصيب كان مأثومًا".
وقال:"إن المرابطة في سبيل الله فيها فضل كبير وثواب جزيل، غير أن الفضل فيها يكون في حال كون الإمام ظاهرًا، ومتى لم يكن الإمام ظاهرًا لم يكن فيه ذلك الفضل".
واشترط الشيخ سعد الدين عبد العزيز بن نحرير بن براج الطرابليسي القاضي (400 ـ 481هـ) في كتابه المهذب في وجوب الجهاد أن يكون مأمورًا به من قِبَلِ الإمام العادل أو مَن نصَّبه الإمام، وحرَّم الخروج إلى الجهاد في حالة عدم وجود الإمام أو نائبه الخاص، وقال:"إن الجهاد مع أئمة الكفر، ومع غير إمام أصلي، أو من نصبه قبيح يستحق فاعله العقاب، فإن أُصيب كان مأثومًا، وإن أصاب لم يكن على ذلك أجر".
وكذلك قال الشيخ أبو جعفر محمد بن علي الطوسي المعروف بابن حمزة في (الوسيلة إلى نيل الفضيلة) :"إنما يجب الجهاد بثلاثة شروط: أحدها حضور إمام عدل، أو من نصبه الإمام للجهاد، ولا يجوز الجهاد بغير الإمام ولا مع أئمة الجور".
(1) بحار الأنوار، محمد باقر المجلسي ج/52/122، عن أصول مذهب الشيعة للقفاري، ج2/860.
(2) أحمد الكاتب، تطور الفكر السياسي الشيعي، ص 271 ـ 272.
(3) المصدر السابق، ص 276، وراجع: د. موسى الموسوي، الشيعة والتصحيح، ص: 9 ـ 50، 61 ـ 65/ 1408هـ.