وقد حذر علي خامنئي مرشد الثورة من إضعاف المقاومة الإسلامية وقال: إنه يجب التيقظ ومنع الأعداء من ذلك. إن شعلة المقاومة يجب أن لا تنطفئ؛ لأن أولئك الأبطال واجب على إيران مساعدتهم. (1)
هذه العلاقة والرابطة المذهبية بين إيران وشيعة لبنان جرت على لبنان ويلات زادت من نار الحرب المستعرة في أرض غير مستقرة في الأساس، وكان لسعي الحركة الخمينية إلى تثبيت أقدامها في لبنان، الأثر البالغ على لبنان.
يقول وضاح شرارة:"كما كان لبنان ساحة مهمة لعمل الحركة الخمينية، وكان على لبنان أن يصطلي بنار أرادت الحركة أن تستمر إلى أن تحقق أهدافها؛ فهذا إبراهيم السيد ـ الناطق السابق باسم حزب الله ـ يقول: إن الأساس في لبنان بالنسبة إلينا أن يبقى ساحة وموقعًا للصراع مع (إسرائيل) ، إن مصلحة الإسلام أن يكون لبنان كذلك!!". (2)
"إن الأجهزة الإيرانية كافة، من حوزات قم إلى حرس الثورة، ومن الدعاة، إلى وزارة الداخلية، سهرت على الشأن اللبناني، وأعملت فيها رأيها وآلاتها". (3)
بيد أن هذا الوجود الإيراني كان يستلزم أن يبقى لبنان في حالة من الضعف المستمر، ومن اقتتال جماعاته وأحزابه، ودوام انقسامه السياسي الشديد مع عدم تمكين فئةٍ مَّا من السيطرة، وذلك كله لإكمال الأهداف والأعمال دون أن ينتبه أحد لما يراد بالبلد.
كما يمثل لبنان أهمية تتجاوز الارتباط العقدي ومضافة إليه في الوقت ذاته، وهي أن لبنان يمثل منفذًا لإيران على دول المشرق العربي بمجمله للتأثير السلبي أو الإيجابي؛ فبدون لبنان ستبقى إيران معزولة عن تلك المنطقة، وهي منطقة جوهرية من الصعب تعويضها في مكان آخر. وهكذا يتبين الترابط المتكامل بين إيران الثورة وحزب الله وشيعة لبنان؛ فقد أصبحت إيران الأم الرؤوم والمحضن الدافئ والمرعى الخصيب والنموذج الذي يتطلع إليه عموم الشيعة؛ فهي القبلة الدينية والسياسية لهم.
المنتظرون.. إلى متى؟
نتعرض هنا لقضية مهمة حول"التبديل"الكبير الذي حدث في عقيدة الشيعة الاثني عشرية ومنهجهم الذي حوَّلهم من طائفة على هامش التاريخ بفعل"نظرية الانتظار"بعد دخول محمد بن حسن العسكري السرداب وغيابه ـ على حد قولهم ـ إلى طائفة ثورية تريد تغيير العالم كله ومواجهة قوى الاستكبار في العالم وإنارته بالإسلام"الصحيح"، وتطهير الأرض من رجس يهود!! وقد كان لحزب الله نصيب وافر من هذه الشعارات الرنانة.
وتقوم نظرية"الانتظار والتَّقِيَّة"على تحريم الثورة والإمامة والجهاد وإقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلاة الجمعة؛ فقد تأثر الفكر السياسي الشيعي تأثرًا كبيرًا بنظرية وجود الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري داخل السرداب، واتسم لقرون طويلة بالسلبية المطلقة؛ وذلك لأن هذه النظرية قد انبثقت من رحم النظرية الإمامية التي تحتم وجود إمام معصوم معيَّن مِنْ قِبَلِ الله!!، ولا تجيز للأمة أن تعيِّن إمامًا أو تنتخبه؛ لأنه يجب أن يكون معصومًا، وهي لا تعرف المعصوم الذي ينحصر تعيينه من قِبَلِ الله؛ ولذلك اضطر الإماميون إلى افتراض الإمام الثاني عشر، بالرغم من عدم وجود أدلة علمية كافية على وجوده.
وقد كان من الطبيعي أن يترتب على ذلك القول بانتظار الإمام الغائب، تحريم العمل السياسي، أو السعي لإقامة الدولة الإسلامية في عصر الغيبة، وهذا ما حدث بالفعل؛ حيث أحجم النواب الخاصون بالإمام عن القيام بأي نشاط سياسي في فترة الغيبة الصغرى، ولم يفكروا بأية حركة ثورية، في الوقت الذي كان فيه الشيعة الزيدية والإسماعيلية يؤسسون دولًا في اليمن وشمالي إفريقيا وطبرستان. (4)
قد كانت نظرية انتظار الإمام الغائب بمعناها السلبي المطلق تشكل الوجه الآخر للإيمان بوجود الإمام المعصوم ولازمة من لوازمها؛ ولذلك فقد اتخذ المتكلمون الذين آمنوا بهذه النظرية موقفًا سلبيًا من مسألة إقامة الدولة في عصر الغيبة، وأصروا على التمسك بموقف الانتظار حتى خروج المهدي الغائب.
وسنورد هنا روايات عديدة لأئمتهم على مر التاريخ، الذين يحرمون فيه العمل لإقامة دولة في ظل غياب الإمام، وكيف كان لهذه النظرية الأثر البالغ في وقف العمل المسلح، ولننظر إلى أي مدى استقرت هذه النظرية، ثم لنرى بعد ذلك ما أحدثوه من إهدار لكل هذا التاريخ العلمي، والتبديل لهذه النظرية"العقدية".
(1) جريدة الحياة، العدد: (13252) ، 6/3/1420هـ ـ 20/6/1999م.
(2) دولة حزب الله، ص 336.
(3) انظر: الحرس الثوري الإيراني نشأته وتكوينه ودوره، كينيث كاتزمان، ترجمة: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، الطبعة الأولى، 1996م، 104 .
(4) انظر بيان بدول الشيعة وأحوالها: محمد جواد مغنية، مبحث دول الشيعة في كتابه: الشيعة في الميزان، ص 127 ـ174، دار التيار الجديد، ط /10/1409هـ.