إلا أن التسهيل في باب الضرورة يختص بالحاجة الشديدة الملجئة، وذلك بخلاف التسهيل في باب الرخصة فإنه أعم؛ إذ هو يشمل الحاجة الشديدة الملجئة ويشمل غيرها من الأعذار الموجبة للتخفيف والترخص.
بيان ذلك أن الرخصة في اصطلاح الأصوليين هي: الحكم الثابت على خلاف الدليل الشرعي لمعارض راجح [1] .
وللرخصة أسباب كثيرة، منها: الجهل والنسيان والسفر والمرض والاضطرار.
ومن هنا يظهر أن الضرورة أو الاضطرار سبب من أسباب الرخصة.
وبهذا النظر يمكن أن نقول: إن الرخصة أعم مطلقا من الضرورة؛ فكل ضرورة رخصة، وليس كل رخصة ضرورة.
فالعلاقة إذن بين الضرورة والرخصة هي العموم والخصوص المطلق.
المسألة الثالثة: العلاقة بين الضرورة والمشقة [2] .
تشترك الضرورة في واحد من معانيها اللغوية مع المشقة؛ إذ تأتي الضرورة في اللغة بمعنى المشقة، وقد تقدم بيان ذلك في التعريف اللغوي.
ومن هذا الوجه فالضرورة والمشقة مترادفان؛ إذ هما بمعنى واحد.
وأما بالنظر للمعنى الشرعي للضرورة فإن المشقة أعم من الضرورة؛ حيث إن المشقة على مراتب:
الأولى: المشقة العظيمة الفادحة؛ كمشقة الخوف على النفوس والأطراف ومنافع الأعضاء.
الثانية: المشقة الخفيفة؛ كأدنى وجع في إصبع، وأدنى صداع في الرأس.
الثالثة: مشقة متوسطة بين هاتين المرتبتين؛ كحمى خفيفة، ووجع الضرس اليسير.
ولا ضبط لهذه المراتب إلا بالتقريب.
بخلاف الضرورة الشرعية؛ فإنها خاصة بالمشقة الفادحة العظيمة.
ومن هذا الوجه فإن العلاقة بين الضرورة والمشقة هي العموم والخصوص المطلق؛ إذ المشقة أعم مطلقا من الضرورة؛ حيث إن كل ضرورة مشقة، وليس كل مشقة ضرورة.
المطلب الثالث: أسباب الوقوع في الضرورة الشرعية.
(1) انظر روضة الناظر: 1/ 173 والإحكام للآمدي: 1/ 132 وشرح الكوكب المنير: 1/ 478.
(2) انظر قواعد الأحكام: 1/ 7 والأشباه والنظائر للسيوطي: 80 - 81 والأشباه والنظائر لابن نجيم: 82.