الصفحة 33 من 60

النقطة الأولى: نقض الحكم وإبطاله.

لما كان الغرض من القضاء الحكم بالقسط، وإيصال الحقوق إلى أصحابها، كان من الطبيعي أن يشرع نقض الحكم الجائر المخالف، إذا ثبت ذلك بطريقة من طرق الإثبات المشروعة، كالشهادة والإقرار، ولا تعدو المخالفة أن تكون على حالين:

الحالة الأولى: مخالفة الحكم للنص.

النص إما أن يكون من القرآن، أو السنة، ومثلهما الإجماع لأنه دائمًا يستند إلى نص.

أ_ مخالفة نص القرآن: كما لو حكم القاضي _ في غير الوصية في السفر _ بشهادة كافرين مخالفًا في ذلك قوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} (1) أي: من المسلمين العدول.

ب_ مخالفة النص من السنة المشهورة: كما لو حكم بتحليل المطلقة ثلاثًا بمجرد عقد المحلل من غير دخول، مخالفًا في ذلك حديث العسيلة المشهور، وهو قوله - لزوجة رفاعة: (( تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عسيلتك، وتذوقي عسيلته ) ) (2) . والعسيلة: تصغير العسل، كناية عن لذة الجماع.

ـــــــــــــــــــ

(1) سورة الطلاق آية 2.

(2) رواه البخاري في الطلاق (باب: إذا طلقها ثلاثًا ثم تزوجت بعد العدة زوجًا غيره فلم يمسها برقم 5011) ومسلم في النكاح (باب: لا تحل المطلقة ثلاثًا لمطلقها حتى تنكح زوجًا برقم 3512) .

ـ32ـ

ج_ مخالفة الإجماع: كأن يحكم القاضي بالميراث كله للأخ مع وجود الجد فهذا مخالف للإجماع، لأن الأمة كلها مجمعة على قولين في الجد: أن يكون المال كله له أو يقاسم الأخ، وأما حرمان الجد بالكلية فلم يقل به أحد من الأمة (1) . وكذا لو حكم القاضي بصحة نكاح المتعة، فإن الصحابة كلهم مجمعون على فساده (2) . فلو حكم القاضي بأية مسألة من هذه المسائل، خالف فيها النصّ من القرآن أو السنة أو خالف الإجماع وجب نقض حكمه، سواء من قبل نفسه هو أو من هيئة خاصة بالنقض، وهذا متفق عليه بين الفقهاء (3) ،لأن حكمه كان اجتهادًا في مورد النص،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت