، فلا يجوز لأحد من الخصمين أن يتطاول على خصمه برفع الصوت والكلام القبيح، تعظيمًا لهيبة القضاء، ومن أساء إلى خصمه بسباب، أو إلى الشهود أو إلى القاضي أو أحد معاونيه كان من حق القاضي أن يعاقبه بعقوبة تعزيرية تتناسب مع طبيعة المخالفة وإساءة الأدب، لا نتهاكه حصانة المجلس.
قال ابن عبد السلام: الحق فيه (أي: في مجلس القاضي) لله تعالى، فلا يحل للقاضي تركه، لأن السباب _وشبهه_ انتهاك لحرمة مجلس القاضي والحكم (1) .
وقد بلغت حرمة القضاء وهيبته في نفوس السلف مبلغًا لم ترقَ إليه أمة على وجه الأرض حتى كان الخلفاء يجلسون مع خصومهم بين يدي القاضي، تعظيمًا لشأن القضاء، لأنه حكم الله على جميع الخلق، ولأن القضاة كانوا معظمين في نفوس الخاصة والعامة.
ولا ينبغي للخصمين أن يتكلما إلا بعد أن يسألهما القاضي، فيتكلم من أذن له بالكلام وعلى خصمه أن يستمع، فإذا انتهى من كلامه، أذن القاضي للآخر أن يتكلم، أو هو يستأذن في الكلام والرد على خصمه، ولا يحكم القاضي حتى يسمع من الخصمين _ من غير ملل ولا ضجر_ فقد قال النبي - لعلي حين أرسله قاضيًا إلى اليمن: (( إذا تقاضا إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع من الآخر، فسوف تدري كيف تقضي ) ) (2) .
ـــــــــــــــــــ
(1) تبصرة الحكام 1/ 39، وانظر أيضًا: نظام القضاء في الشريعة الإسلامية لعبد الكريم زيدان ص105. (2) رواه أبو داود في الأقضية /3582/، والترمذي في الأحكام /1331/ وقال: حديث حسن.
ـ31ـ
المطلب الخامس: مسؤولية القاضي
إذا كانت الشريعة الإسلامية قد قررت للقاضي حصانة تحميه وتحمي ما يصدر عنه من أقضية، بموجب العمل الموكول إليه، فهل هذه الحصانة مطلقة، أم أنها مقيدة في حدود العدل، والصواب في الحكم، فإذا جار في حكمه، أو جانب الصواب، كان مسؤولًا عن ذلك، ولم تنفعه الحصانة في حمايته وحماية ما يصدر عنه من أقضية؟
ذلك ما نبحثه في النقاط الآتية: