الصفحة 31 من 60

ب_ القياس، فإن القضاء كالإمارة، بجامع أن كلًا منهما ولاية، فكما أنه يجوز للإمام عزل أمرائه على البلدان، فكذا يجوز عدل قضاته.

الراجح من القولين:

والراجح ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من أنه ليس للإمام عزل القاضي ما دام باقيًا على صلاحيته، ولم يصدر منه ما يقتضي عزله لأمرين:

1_ أن الإمام إنما ولي أمور المسلمين لتحقيق مصلحتهم، وجلب الطمأنينة والراحة لهم، ولا شك أن عزل القاضي دون مبرر لا يحقق لهم المصلحة.

2_ أن عزل القاضي دون مبرر يذهب بهيبة القضاء من نفوس العامة، مع أن الشرع الحكيم سن أمورًا كثيرة للحفاظ على هيبة القضاء، بحيث لا يخشاه المحِقّ، ويفرق منه المبطل.

والحق أنه ينبغي أن تنزع مهمة عزل القضاة من أيدي الحكام ونوابهم _ بسبب تسلطهم وضعف الوازع الديني_ وأن يوكل الأمر إلى هيئة قضائية عليا، هي التي تبت في اختيار القضاة وتعيينهم، وكذا في عزلهم، ضمن أصول ومعايير عدلية تلتزم بها حفاظًا على استقلالية القضاء. ولا أعتقد أن هذا يخالف ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، لأن الحاكم

ـــــــــــــــــــ

(1) البدائع 7/ 16، المغني 14/ 88.

(2) رواه البيهقي 10/ 108.

(3) سير أعلام النبلاء للذهبي 2/ 390، الإصابة لابن حجر 2/ 352.

ـ30ـ

ومن يلوذ به كانوا خاضعين لحكم الشرع وليس لهم أي حصانة تمنعهم من الجلوس أمام القاضي مع فرد من أفراد الرعية، والأمثلة من واقعهم على ذلك كثيرة مدونة.

ويمكن أن يجاب عما ذهب إليه الحنفية، والحنابلة في رواية، بأن ذلك كان لمصلحة راجحة، لا تهمة للقاضي المعزول، كما هو واضح من فعل عمر - رضي الله عنه -.

النقطة الثالثة: أدب الخصوم في مجلسه.

مجلس القضاء ليس منتدى للحديث عن كل ما يشتهى، وإنما هو مجلس جد وسكينة ونظر في القضايا المطروحة، وفض المنازعات والخصومات، بالإخبار الملزم عن شرع الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت