سبب لشيوع الظلم، وضياع الحقوق، وانتشار الفوضى، فلا رادع من قانون، ولا زاجر من ضمير، وبالتالي تكون الغلبة، ويكون الحق دائما للقوي على الضعيف.
ولا بد من وجود مؤيدات دستورية وجزائية تحمي القضاء، وتحافظ على استقلاليته من تدخل أصحاب الشأن والنفوذ في الدولة، ذلك ما يعرف بحصانة القاضي، وسيأتي الحديث عنه في المطلب الرابع إن شاء الله تعالى.
وينبغي أن يعلم أن استقلال القضاء، لا يعني أن يترك القاضي وشأنه، دون مراقبة أو حسيب، فإن من واجب الخليفة أو رئيس الدولة (أي: أو نائبه كوزير العدل) أن يتابع تصرفات القضاة وسيرتهم في الناس، فإن وجد فيهم الظالم الجائر عزله من غير تردد.
وهو ما أشارت إليه المادة الحادية والسبعون من نظام القضاء في المملكة.
قال ابن فرحون: ينبغي للإمام أن يتفقد أحوال القضاة، فإنهم قَوام أمره، ورأس سلطانه. وكذا قاضي الجماعة _ أي: قاضي القضاة _ ينبغي أن يتفقد قضاته ونُوّابه، فيتصفح في أقضيتهم، ويراعي أمورهم وسيرتهم في الناس (2) .
ـــــــــــــــــــ
(1) رواه أحمد 5/ 236، وأبو داود في الأقضية /3592/ والترمذي في الأحكام /1372/. وصححه جماعة من المحققين، منهم ابن القيم في أعلام الموقعين 1/ 202.
(2) تبصرة الحكام 1/ 68، وينظر أيضًا: نظام القضاء للدكتور عبد الكريم زيدان ص65.
ـ27ـ
المطلب الرابع: حصانة القاضي
إذا كانت الشريعة الإسلامية قد قررت في مبادئها استقلالية القضاء عن الهيمنة عليه من أي جهة أو فرد، فالسؤال الذي يطرح نفسه، هل حصنت القاضي؟ وهيأت له من الأسباب ما يحميه، ويحفظ عليه استقلاليته؟ ذلك ما نبحثه في النقاط التالية:
النقطة الأولى: حصانته من حيث التعيين.
أجمع الفقهاء على أن تعيين القضاة أمر منوط بالإمام (أي: رئيس الدولة) وفرض