الصفحة 26 من 60

كما أن الإسلام لا يسمح لأي إنسان، مهما علت مرتبته _ ولو كان رئيس الدولة _ أن يتدخل في شؤون القاضي حين يحكم بالعدل، ويقيمه بين الناس، بل إن القاضي إذا أحس بأية نية في التدخل في شؤونه رفض هذا التدخل بشدة، وقضى بحكم الشرع، ووجب على الناس الالتزام بحكمه، حتى الخليفة. وتاريخ القضاء الإسلامي مليء بالوقائع التي حكم فيها القضاة على الخلفاء أو غيرهم من رجال الدولة لخصومهم، وأذعن فيها الخلفاء وأعوانهم _طوعًا أو كره _ لحكم القاضي (3) ، لأن الكل محكومون لأمر الشرع، وما القاضي إلا مبلغًا لهذا الحكم الثابت بالنص أو الاجتهاد، فهذا سيدنا عمر - رضي الله عنه - يلقى رجلًا، فيقول له: ما صنعت بخصومتك؟ قال: قضى علي وزيد بكذا، قال عمر: لو كنت أردُّك إلى نص في كتاب الله أو في سنة رسوله لفعلت

ـــــــــــــــــــ

(1) رواه البخاري في الحدود (باب: كراهية الشفاعة في الحد برقم 6406) .

(2) الاختيار 2/ 88، الشرح الصغير بحاشية بلغة السالك 4/ 90، المهذب 2/ 292، شرح منتهى الإرادات 6/ 494، تبصرة الحكام 1/ 72، درر الحكام شرح مجلة الأحكام 4/ 614.

(3) انظر كثيرًا من هذه الوقائع: السلطة القضائية في الإسلام ص414 وما بعدها، القضاء في الإسلام ص198 وما بعدها.

ـ25ـ

ولكن أردك إلى اجتهاد، والرأي مشترك، ولم ينقض ما حكم به زيد وعلي (1) .

وفي عهد بني أمية استمر القضاة مستقلين _عن الولاة_ على الطريقة التي سنها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وكذا في العهود اللاحقة بين مدّ وجزر، وفي كثير من الأحيان كان ذلك يتبع لشخصية القاضي وورعه، وعدم خوفه في الله لومة لائم.

وبالالتزام بالنصوص الشرعية، والتطبيق العملي العادل على كل الناس دون تمييز يمكن أن يتقرر مبدأ استقلالية القضاء، وعدم التدخل في شؤونه، حتى من أعلى سلطة في الدولة.

ثانيًا: حرية الرأي والاجتهاد.

لا بد أن يكون القاضي مؤهلًا علميًا وخلقيًا لتولي منصب القضاء، ولهذا اشترط

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت