ماذا يقول المفرِّقون بين شرطي الصحة والكمال، فيمن لا يحب الصحابة باستثناء عدد قليل منهم -وهو مع ذلك يصلِّي، ويصوم، ويزكِّي، ويحج، ويعتمر، ويؤدِّي سائر شرائع الإسلام- هل حقق ببغضهم شرط صحة الإيمان، أم شرط كمال الإيمان، إن كان يقول إن حبَّهم هو شرط كمال فقد اعتقد أن انتقاص الصحابة شيءٌ لا يؤثِّر في صحة الإيمان، إذًا فهو قائل بصحة إيمان الباغضين الصحابة، فهل يستوي إيمانه على ساقه، ويكون ببغضه الصحابة، والطعن عليهم، قد حقق شرط صحة الإيمان؟
وقس على هذا كلَّ أمرٍ مثله، وعلى الأمة أن تنسى كل منقصةٍ يؤتى بها إلى حمى الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين.
حادي عشر: وما ينبغي أن يخفى على أحدٍ أنَّ هذا التفريق يضعنا على المحجة في هذه القضية، التي عشيت فيها أبصار، وتأنَّقت فيها أفكار، وطافت وطوَّفت بها أباطيل وأسمار، فنسأل هؤلاءِ المفرِّقين بين شرطي الكمال والصحة، ماذا أنتم قائلون في الإيمان بالإسلام كلِّه، ومنه كما تعلمون، الواجب، والحرام، والمندوب، والمكروه والمباح والله يقول: {ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَافَّةً} هل هو شرط كمال أم شرط صحة؟ فإن قلتم هو شرط كمالٍ، فإنَّ الانتقاص حينئذٍ، سواءٌ أكان بجحودٍ قلبيٍّ أم بجحودٍ عمَليٍّ لبعض الأعمال المباحات، أم المندوبات، أم المكروهات، لا يضر بصاحب مثلِ هذا الإيمان شيئًا، لأنَّ مجرَّد الإيمان القلبيِّ كافيه في النَّجاة من النار، ولو لم يعمل قطُّ، وإن قلتم: هو شرطُ صِحَّة، ولا أحسبُ إلا أنكم قائلون به، فيسقط القول بشرط الكمال، ويبقى القول بشرط الصحة هو القائم اللازم، وهذا هو الذي يلزمكم ولا بدَّ، واللازم عندكم هو اللازم عندنا فنلتقي عندئذٍ على أقومِ سبيل، وأحسنِه، وأبْيَنِه.