وإذا نحن تجاوزنا هذا اللازم المتفق عليه، فإنه سَيُلجِئُنا ولا بدَّ إلى أن نجعل مراتب الاعتقادِ القلبي ثلاثًا، إيمان، وكفر، وثالثةٌ مزجيَّةٌ (كفرٌ وإيمانٌ) وهذه الثالثة مرتبةٌ بين مرتبتين، والفضل للسابق إن كان في ذلك فضل، وهو لمن قال: منزلة بين المنزلتين، ولمَ لا نقترب من المعتزلة الذين طواهم الزمان، وأبقى من بعدهم فينا، عقائِدهم، وأفكارهم، وأُصولهم، ولعلَّ مثل هذا الاقتراب يفضي بنا يومًا بعد يوم إلى هدم الجدار النفسي الذي شادته الفرقةُ المذهبيةُ العقدية خلال الحِقبِ والقرون الخالية، وبخاصة في هذه الفترة التي تأصَّلت فيها الخلافات الفقهية، حتى أضحت سحبًا دكناء، وتسارعت فيها خُطى الأصاغرِ المفلسين المتكسِّبين، وجهدت -في سعار لاهثٍ أحمقَ- الطُّلَعُ النَّهِمة، واتخذت بها سربالًا فضفاضًا صفيقًا، يمتنع على حواسِّ البصر والشَّمِّ والذَّوق، فيظل كوره في أعين الناس على حاله، لا يمسُّه من أذى منهم، لأنهم رأوه على غير حقيقته، ولا يبالون أن يستبطنوا رؤْيته من وراءِ سرباله، فهو يأ ْخذ عليهم طرائق التقدير بجهير صوته، وهزهزة شحمه ولحمه، وصولة فتكه، فيخشى من حوله من المقرَّبين إليه ما يتوعَّدهم من كفِّ يدٍ من عطاءٍ، أو سَحِّها بما يعدهم إن هم أطاعوه ولم يخالفوه في رأيه على طمس حقٍّ، وإشهادٍ على باطلٍ يدَّعيه وأنَّه الحق، فهم حينئذٍ بين حقٍّ هو باطلٌ، وبين باطلٍ هو حقٌّ، (ولقمة العيش عزيزةٌ جدًا) ، والله وحده هو المستعان.
تنبيه يجب ذكره: