الصفحة 41 من 194

ونحن ذاكرون لهذا مثلًا من قوله عليه الصلاة والسلام:"إذا سافر العبد أو مرض، كتب له من العمل، ماكان يعمله صحيحًا مقيمًا"، ومن قوله عليه السلام أيضًا:"إن الله تجاوز لي عن أُمتي الخطأُ والنسيان، وما استكرهوا عليه". إذ ما من شك أن نقصًا وقع على العمل، في حالات المرض والسَّفر، والخطأ، والنسيان، والإكراه، ولكنها حالات طارئة، والأصل أن تكون الأعمال في معزلٍ عنها، تُؤدَّى بشروطها التي تقبل بها، (الإخلاص، والموافقة، والاستطاعة) ، وهي حالات تكون بها الأعذار ومعها (على النقص الظاهر فيها) ، لكنه نقص لا ينتفى معه كمال العمل ولا صحته، إذ قد تحققت فيه شروط القبول، فلماذا إذًا ندخل على الأعمال ما ليس منها، ولا يُحدِثُ فيها زيادة توضيح سواءٌ أقلنا بالتفريق أم لم نقل، في شرطي الصحة والكمال، فما استقر الأمر عليه في القرن الأول هو الأمر الذي لا ينازع، وقد استقر ولم يُعرف أن قيل فيها:"شرط صحة، وشرط كمال"، فَلِمَ يكون منَّا ما لم يكن منهم؟ ومما لا شك فيه أن الذي كانوا عليه خير من الذي صرنا إليه، إذ هَديهم هو خير الهدي، الذي يجب أن يُعَضَّ عليه بالنواجذ.

إذًا: فإنَّ النقص الذي يكون في بعض الأعمال الإيمانية، ولا يُعَدُّ نقصًا لأنه قد سلِم لها الأصل الذي تسلم به لها الصحة والكمال -حتى عند القائلين بالتفريق بينهما- لا يؤثِّر في الصِّحة، وما يصدق على الفرائض والواجبات، يصدق على النوافل والمندوبات، وسائر الأحكام ومثلها جميعًا في ذلك العقائد والأُصول، فنكون نحن وأهل الصدر الأوَّل، على تطابقٍ تامٍّ كاملٍ صحيح في كلِّ ما كانوا عليه من مثل هذا الأمر، نغدو به ونروح ونحن نقرأ أو نستحضر قول الرسول ×:"الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان". وهذا الحديث لم يفرِّق بين ما يعرف بالأحكام، وبين ما يعرف بالعقائد، وسيأتي الحديث عنه قريبًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت