الصفحة 40 من 194

فإن العبد إزاءَ العمل الذي كلَّفه الله سبحانه به على صورٍ وأحوال، فيحسن بنا الاتيانُ عليها، أو على بعضٍ منها، لنهتدي بها إلى الوجه الحق والصواب إن شاء الله، ومن قبل أن نأْتي على هذه الصور أو بعضٍ منها، فلا بد من أن نأتي على فرقٍ بين من يعجز عن فعلٍ كلَّفه الله به وهو مصدِّق به مؤْمن بحكمه المطلوب منه، وبين من لم يعجز عنه ونبذه وهو مؤْمن به، فالأول يعذره الله سبحانه، ولا يعاقبه، بل ربما أثابه وكتب له أجرًا عنده، أما الثاني فقد أصاب منكرًا يستأْهل به العقوبة من الله.

وهذا أيضًا يختلف من واحدٍ لآخر، فتارك النافلة من غير إنكار ولا جحود لها وبإنكار دليلها الثابت القويِّ، غير التارك الفريضة، وهو يعلم أنه عاص بتركها وغير منكر ولا جاحد لها، فهو مؤمن ناقص الإيمان.

ومن تركها وهو غير مؤْمن بها لأنه غير عالمٍ بفرضيتها ولم يأته علمٌ بها فهو كامل الإيمان.

فإن علم حكمها وهو متلبِّسٌ بضِّدها، وهو قادرٌ على العدول عنها ولم يعدِل وهو غير منكرٍ لفرضيتها، فهو ناقصُ الإيمان.

ومن علم حكمها وهو متلبِّسٌ بها وعدل عنها لقدرته على العدول فهو

كامل الإيمان صحيحه.

ومن شرع في معصيةٍ، عالمًا حكمَ ما يعصي به، مصرًَّا عليها، غير جاحدها، فهو مؤمنٌ ناقصُ الإيمان.

ثامنًا: ومما أوضحنا وبيَّنا في الفقرة السابقة، نعلم أن شيئًا من الأعمال، سواءٌ أكانت واجبةً أم مندوبةً، أم محرَّمةً، أم مكروهةً، إن تحقَّق فيها الإخلاص والموافقة والاستطاعة -وصحة العمل لا تكون إلا بها مجتمعة- فلا معنى للفصل ما بين شرطين، فيقال: هذا شرط صحة، وهذا شرط كمال، وقد أشبعنا هذه المسألة فيما تقدم، وهو الأمر الذي جرى عليه عمل القرن الأول، قرن النُّبوَّة، الذي كمل فيه الإسلام، وتمت فيه كلمة الله، ونشأت فيه القواعد والأصول، من غير أن توضع أو تصاغ لها أسماءٌ واصطلاحاتٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت