(وليس هذا من باب الظنِّ الْيُؤْتى به إلى الحق من غير وجهه) ، بل هو من باب الظَّن الحسن بما أودعني الله سبحانه من دقَّة النظر، واستجلاءِ الحقائق من مظانِّها بما دلَّت عليه لغة العرب في أصولها وسلامةِ ألفاظها وقواعدها، وحسن النظر فيها، والحمد لله الذي تتم به الصالحات، وتهوي إليه قلوبُ المحسنين الأبرار، ومن خالف عن مثل ذلك، فلست بقائل فيه: إلا إنه شائَل بغير هدى، ولا علم، ولا صراط مستقيم، فقد طويت قرون على مثل الذي خالفنا فيه، واستقرَّ في قلوب طوائف أهل العلم قديمًا وحديثًا، بل قد يعكس هذا المخالفُ الأمر علينا فيقول: أنتم المخالفون عن المنهج العلمي، بل ولربما قال: الاعتقادي (وقد قيل، وقيل، وقيل) ، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله، ونقول لمثل هذا المخالف: ما أحسنَك، وأطيبَ حديثك، وأرخم صوتَك، لو أنك خالفت بأدبِ أو على أدبِ العلم وأهله، أما أن تكون فظًا حتى وأنت تبتسم، غليظَ القلب حتى وأنت تسرد الأحاديث وتقرأُ الآيات، مضطربَ الجسم حتى وأنت نائمٌ تحلم بالرُّوىَ الضبابية الواهمة، فذا لا يصلح إلا وأنت في سُرى الليل البهيم من خوف الذئاب الجائعة العاوية، أو من فوق رؤُوس الأعلام الشاهقة، ولا مِسْمَعَ من أنسٍ حتى ولا من جنٍّ يقع فيه كلامك الصائتُ، أو في أجوافِ الكهوف والمغارات السحيقة البعد. فهوِّن أنت ومن معك من مثلك على أنفسكم، واعلموا أن الحقَّ ليس يجتنى ثمره بمثل ذاك، فثمر العلم رطبٌ جنيٌّ، وعناقيد دانية، وأثمار طيبة شهيَّة، فكونوا على ما تريدون، ولكن لا تنابذوا المخالف بعزة المتكبرين، وأهواءِ المغرضين، وكونوا بصواع الحبِّ، والأُخوَّة، والإيثار، كائلين، وتأمَّلوا بفقه الكتاب العزيز قوله سبحانه: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ} .
وبعد: