الصفحة 38 من 194

فإن إيمان العبد لا يكمل ولا يصحُّ على نحو ما بيَّنا في الفقرات السابقة إلا بإيمانه بكل ما جاءَ في كتاب الله عز وجل، وبكل ما نطق به وفعله وأقرَّه رسول الله ×، وصحت نسبته إليه، وصدَّقه فيه، بالقول وبالعمل، ولم يردَّ منه شيئًا ولم يجحده، إذ هو تصديق بالوحي ويجب التصديق به، وسواءٌ أكان هذا الذي جاءنا عن رسول الله × من المباحات أم من المندوبات، أم من الواجبات، أم من المكروهات أم من المحرَّمات، وقد أمرنا الله سبحانه أن نعظِّم رسول الله × وأن نوَّقِره وأن ننصره، فمن ردَّ شيئًا صحت نسبته إليه عليه السلام، فليس هو بالمعظِّمهِ ولا بالموقِّرهِ ولا بالناصرهِ، والله سبحانه وقد خاطب عباده بما شرع لهم في كتابه وسنَّة نبيِّه × لم يخاطبهم بما يعجزهم أو يوقعهم في حرج، فهو الرؤوف الودود الرحيم بهم، بل خاطبهم وقال فيه: {لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} ، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ، وصواب العمل الذي خاطب الله سبحانه به وصحته، لا يكون كذلك، إلا بصحَّة الاعتقاد به قلبًا، والتصديق به، والتسليم بأنه المقتضى الحقُّ المستطاعُ له، والكمالُ المطلوبُ للعمل لا يكون إلا بتلك كلِّها مجتمعةً، فأين إذًا يقع شرط الكمالِ وحده أو شرطُ الصحة وحده من مثل هذا الضبط لأعمال الإيمان كلِّها، حين يريد العبد أن يعمل، بل وحين يعمل؟ أما أنا ومن يعقل الحق، ويعرف الفرق بينه ويبن الباطل، الذي أزعم أنه هو الحق لا سواه، فليس يحسن، ولا ينبغي أن يَذْهَبَ ذاهب إلى غير الذي ذهبت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت