تاسعًا: ثم ليكن معلومًا بيقين، أن عدم التفريق بين شرطي الكمال والصحة على ما تقضي به قواعد لغة العرب، ومعاني كلامها، مفردات وتراكيب -على نحو ما أوضحت في كل ما سلف- لا يردُّ أصلًا من أصول الاعتقاد، ولا يبطل قاعدة من قواعد الأحكام، بل هو إغلاق لبابٍ، ولج منه المتأوِّلون في الإسلام، أحكامه وشرائعه، وعقائده، وأُصوله، بعيث التحريف، والإبطال، والتأْويل، ولا أقرب من برهانٍ يصدِّق ذلك، أنَّهم -وقد قالوا بالكفر الاعتقادي القلبيِّ، والكفر العمليِّ، وجعلوا الثاني مبقيًا على الإيمان لصاحبه -وإن انتقص- ابرءُوا تارك الصلاة، والرَّاميَ أُمَّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالفاحشة، والحاكم على الأخيارِ الأطهارِ من أصحاب رسول الله × بالرِّدَّة والكفر، والمكذِّب المفتَرِي على الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وابنتيهما رضي الله عنهما، والحابسَ الزكاة، والشاتم الرسول ×، والسَّاجد للصنم، والملقيَ المصحف في السباطة، والنابذ كتاب الله من وراء ظهره، تاركًا الحكم به مختارًا، أو حمل الناس عليه وهو قادر عليه، وتمكين العائثين في الأرض فسادًا بأحكامه وشرائعه، وكفَّ أيدي الصالحين العقلاءِ الأمناءِ من أهل العلم والفكر السليم الصالح، وعقولهم، من الدعوة إليه، وبيان أحكامه وعقائده على النحو الذي فهمها عليه أهل الصدر الأول (3) ، وغيرهم ممن لا يشك في خروجهم من الملة بما صنعوا، واعتقدوا، أو بما اعتقدوا، أو بما صنعوا من الكفر، وحظي منهم بصك غفران في الآخرة، فأين هم بهذا من قوله سبحانه: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} بزعم أنَّ الإيمان أو التصديق القلبي كافٍ في خروجه من النار ووجوب الجنة له.
ولربَّما وجدنا بعضهم يفرُّ من هذا البغي الفاجر، الذي كان يُرْقص