قيمة هذا التحديد:
وتظهر قيمة التحديد إذا فكرنا في الهدف الذي ترمي إليه شريعة الزكاة وفي مدى ما تستطيع أن تحققه الزكاة من هذا الهدف.
ولعله من الواضح أن: الزكاة شريعة اجتماعية يقصد فيها القضاء على الفقر وشروره في المجتمع الإسلامي.
ولكن هل تستطيع الزكاة وحدها -في كل الظروف والأحوال- أن تقضي على الفقر وهل في طبيعتها ما يكفل ذلك، وإذا كانت الزكاة تعجز في بعض الظروف عن الوفاء بهذه المهمة فهل في الشريعة الإسلامية وسيلة أخرى تساعد على ذلك، وتُتمّ عمل الزكاة في هذا الميدان؟
والحقيقة الواضحة أن الزكاة -وإن كانت تهدف إلى مكافحة الفقر- فإن مقاديرها لم تقم على هذا الأساس مباشرة، فالزكاة الواجبة لا تحدد على أساس حصر الفقراء وتقدير احتياجاتهم ثم تحصيل ما يسد هذه الحاجات، ولكنها وضعت على أساس آخر فهي نسبة معينة من رأس المال تزيد إذا زاد رأس المال الذي تجب عليه الزكاة وتنقص إذا نقص، دون اتّجاه مباشر إلى توفير المقدار الدقيق الذي قد يحتاج إليه الفقراء، ومن ثم كان من المتوقع أن تجد أحوالا لا تفي فيها الزكاة بكل حاجات الفقراء.
وإذا تذكّرْنا أن هدف الشريعة في هذا الميدان هو محو الفقر والعوز من المجتمع - كان من الطبيعي أن نتوقع أن الشريعة الإسلامية لا يمكن أن تقف فيما تفرضه للفقراء عند حد الزكاة، فمعضلة الفقر تحتاج إلى مورد آخر متمم للزكاة ومعين لها على أداء مهمتها.
وواضح أن هذا المورد الذي يتخطّى حدود الزكاة يجب أن يكون مرنًا قابلًا للزيادة والنقص حتى يستطيع أن يواجه جميع الظروف، ويكفل للفقراء سدّ حاجاتهم الضرورية، ولا يعجز عن الوفاء بها إذا ما زاد عدد الفقراء في المجتمع أو اشتدت الفاقة فيه. فيجب -في الواقع- أن تقدر هذه الضريبة الجديدة على أساس إحصاء الفقراء وتحديد احتياجاتهم وتقدير قيمتها المالية حتى تستطيع الضريبة الجديدة منضمّة إلى حصيلة الزكاة أن تسد حاجات جميع الفقراء في المجتمع كله.
وهذا -في الواقع- هو أساس هذه الفكرة التي ظهرت في عهد الصحابة والتابعين، ثم تَبَنّاها بعد ذلك ابن حزم، فالمقصود تأسيس ضريبة مرنة، تنضم إلى الزكاة وتتعاون معها على الهدف الإسلامي العظيم، وهو محوُ الفقر من المجتمع.
مغزى هذه الفكرة في العصر الحاضر:
يجب أن نلاحظ أن ابن حزم لم يزد على أن قرر أن للحاكم بل عليه أن يضرب ضريبة أخرى غير الزكاة تتعاون وإياها على محو الفقر، ولكن ابن حزم لم يبين لنا كيف تضرب هذه الضريبة فهل تضرب على رأس المال كالزكاة أم تضرب على نحو آخر.
والذي يبدو لنا أن المهمّ هو ضرب الضريبة لتحقيق الهدف، أما طريقة فرضها على الأغنياء فأمر ثانويٌّ وليس ثَمَّةَ ما يمنع من ضربها على الأرباح ما دامت حصيلتها كافيه لتحقيق الغرض. وطبيعيٌّ أن تتدرج صاعدة مع مقدار الربح.