ثم يروى مرة أخرى عن أبي سعيد الخدريّ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (( من كان معه فضل ظهر فليعد به على مَنْ لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له ) ).
قال أبو سعيد الخدريّ: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حقَّ لأحدٍ معا في فضل، ويعقب ابن حزم على هذا بقوله: (( وهذا إجماع من الصحابة ) )ثم يردف معلقا فيقول: (( وبكل ما في هذا الخير نقول ) ).
ولا بُدَّ لنا هنا أن نذكّر أنفسنا بحقيقة هامة لا بُدَّ منها لفهم روح ابن حزم، فابن حزم لم يهمل الجو العام الذي تولده الأحاديث والآيات القرآنية، بل ربما كان هذا الجو العام هو المؤثر الأول في تفكيره والعامل الأساسي فيه، فالواقع أن مجموع الآيات والأحاديث إذا ضُمَّ بعضها إلى بعض تلقي في روع من يتتبعها أن واجب المسلم أن يساهم بكل ما يستطيع في تقديم ما لا بُدَّ منه لإنقاذ أخية من حياة الفقر والعوز، وتمكينه من الحياة الإنسانية الكريمة.
الآثار:
لهذا النوع من الأدلة قيمة خاصة بالنسبة لنظرية ابن حزم؛ فهو يدلّ على أن ابن حزم لم ينفرد برأيه في أن حق الفقراء في أموال الأغنياء يتجاوز حدود الزكاة وأنه -بعد استنفاد الزكاة- يشمل كل المال الضروريّ لرد عادية الفقر عن المسلمين بل الواقع أن ابن حزم أنما بنى على أساس وُضع في عهد الصحابة والتابعين وأثره في الأمر لا يعدو التفريع التحديد والتدعيم.
ولن نورد هذه الآثار كلها وإنما نجزئ منها بما له أثر بيّن في تدعيم هذه النظرية، وتوضيح معالمها.
وأول ما ينبغي أن نلاحظه أن بعض هذه الآثار يقرّر هذا المبدأ في صورة مجملة، فقد روى ابن حزم عن ابن عمر أنه قال:"في مالك حق سوى الزكاة"ثم قال: (( وصح عن الشعبي ومجاهد وطاوس ... وغيرهم، كلهم يقول: في المال حق سوى الزكاة ) )ثم أردف هذا بقوله: (( ما نعلم عن أحد منهم خلاف هذا إلا عن الضحّاك ابن مزاحم؛ فإنه قال: ) )نَسخت الزكاة كل حق في المال )) ثم أعرب ابن حزم عن رأيه في الضحاك فقال: (( وما رواية الضحاك بحجة فكيف رأيه ) ).
ولا ينبغي أن نلاحظ أن بين هذه الأسماء صحابيًّا جليلًا، وهو ابن عمر وبقيتهم من التابعين.
وهذه الآراء كلها مجملة -كما قلنا- من قبل؛ فهي تقرر المبدأ في صورته العامة، ولكن ابن حزم يورد بعدها رأيًا مفصلًا يحدد المقدار الواجب والغاية التي يستخدم فيها.
و صاحب الرأي هو علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقد روى عنه ابن حزم أنه قال: (( إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفى الفقراء، فإن جاعوا أو عروا فيمنع الأغنياء وحق على الله أن يحاسبهم يوم القيامة ويعذبهم عليه ) ).
المال المفروض -إذن- هو ما يكفى الفقراء لا الزكاة وحدها والذى يكفى الفقراء يتناول ما يسد حاجة الجوع والعرى ويوفر لهم الغذاء والكساء.
هذا هو الرأي الذي يقرره ابن حزم، وابن حزم في الواقع لم يقرّر إلا ما قرّره علي بن أبي طالب، ولم يزد علي بن أبى طالب عما روى عن غيره إلا التفصيلات التي لم تظهر في كلامهم، وأما المبدأ العام فمشترك بين الجميع.