الصفحة 13 من 17

وهنا تظهر شجاعة ابن حزم الأدبية في أقوى صورها؛ فإنه لا يخضع للشعور العام المتوارث، الذي لا يرى على الأغنياء حقًّا سوى الزكاة، ولكن يقرّر -في صراحة وشجاعة- أن على الأغنياء أن يقدّموا من أموالهم حتى بعد أداء الزكاة ما لا بُدَّ منه لتحقيق هذا المستوى من الحياة.

وهذا قرار خطير ورأي جدير، ولكن لا بُدَّ من إثبات صحته، وابن حزم فقيه ومحدّث جليل، ومن ثَمَّ فهو يشعر بضرورة هذا الإثبات، فيقدمه لنا كاملًا شاملًا.

ويمكن أن نقسّم الأدلة التي استند إليها ابن حزم إلى قسمين رئيسيين:

القسم الأول: الأدلة المستمدة من الكتاب والسنة.

القسم الثاني: الآثار المروية عن كبار الصحابة والتابعين الذين يرون هذا الرأي.

الكتاب الكريم:

يقول ابن حزم -مستدلاًّ على صحة رأيه السابق الذكر-: برهان ذلك: قول الله تعالى (( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ) ) [1] وقوله تعالى: (( وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) ) [2] .

فأوجب الله حق المساكين وابن السبيل، وما ملكت اليمين مع ذوي القربى، وافترض الإحسان إلى الأبوين وذوي القربى والمساكين والجار وما ملكت اليمين، والإحسان يقتضي كل ما ذكرناه، ومنعه أساءة بلا شك .. قال تعالي. (( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ" [3] فقرن تعالى طعام المسكين بوجوب الصلاة."

وينبغي أن نتنبه إلى أسلوب ابن حزم في فَهْم الكتاب والسنة، فهو لا يقبل الفهم الضيّق، ويصرّ على أن نفهم الكتاب والسنة فهمًا متحررًا، غير مثقل بالقيود والشروط التي قد تضيق الأفق وتخفي روح الشريعة أو تحول دون تحقيق مقاصدها.

وبهذه الروح يتجه ابن حزم إلى الحديث، فيستخلص منه الأدلة التي تظاهر دلاله القرآن الكريم.

السنة:

يروى ابن حزم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (( من لا يرحم لا يرحم ) )ويعقب على هذا بقوله: (( ومن كان على فضلة من المال ورأى أخاه جائعًا عريان ضائعًا فلم يغثه فما رحمه بلا شك ) ).

ويروى أيضا أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: (( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ) )ويقول معلقا على هذا: (( من تركه يجوع ويعري -وهو قادر على إطعامه وكسوته- فقد أسلمه ) ).

(1) سورة: الإسراء آية: 26.

(2) سورة: البقرة آية: 83.

(3) سورة: المدثر آية: 42 - 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت