الصفحة 12 من 17

ويمكن أن نوجز نظرية ابن حزم في الأصول القليلة الآتية:

أولا: ما هو المستوى الذي حدده ابن حزم لحياة الفقير في المجتمع الإسلامي، وأوجب على الدولة أن تمكّنه من بلوغه؟

ثانيا: ما هو المورد الإضافي الذي قرره ابن حزم وسخره لتحقيق هذه الغاية الإنسانية الكريمة؟

ثالثا: ما هي الأدلة التي استند إليها ابن حزم في تدعيم رأيه؟

يقول ابن حزم في الجزء السابع من كتاب المحلَّى:"وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم".

وبهذا يقرر أمربين هامين:

الأول: حق الفقراء في أموال الأغنياء بصورة عامة غير محدودة بحدود الزكاة.

الثاني: أنه إذا لم تكف الزكاة لسد حاجات الفقراء والمساكين فللسلطة العامة أن تأخذ منهم بعد الزكاة ما يمكنها من سدّ هذه الحاجات.

وأروع ما في ابن حزم هو تحديده للمستوى الذي يجب أن تحققه الدولة للفقراء، والذي يحق لها من أجله أن تتخطّى حدود الزكاة المفروضة، فتضرب الضرائب اللازمة وتجبيها؛ لتنفقها في هذا السبيل.

ويحدد ابن حزم هذا المستوى بقوله:"يقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بُدَّ منه ومن اللباس للصيف والشتاء بمثل ذلك، ومسكن يكنّهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة".

والفكرة -في ذاتها- رائعةٌ وسابقةٌ لأوانها بعصور طويلة، فالتفكير في مستوى خاص من الحياة، وتحديد هذا المستوى على هذا النحو الرحب الذي يضمن الغذاء والكساء والمسكن، وجَعْله حقًّا للطبقة الفقيرة ينمّ عن روح اشتراكية جليلة.

وتبدو روعة هذا الاتجاه إذا ما تذكرْنا أن الفقهاء قبل ابن حزم لم يكونوا يتحدثون عن الفقراء وحاجاتهم وتحديدها لينادوا بفرضها وإيجابها ولم يكن الذي يشغل أذهانهم هو المجتمع وحاجاته، وإنما كان همهم كله موجهًا إلى استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها الأولى.

وبهذا المنهج يكون من مهمة الدولة في الإسلام الاهتمام بالمرافق الآتية:

-تحقيق المساكن الضرورية للفقراء.

-تحقيق الأغذية الكافية.

-تحقيق الملابس الضرورية.

على الدولة أن تحقق للفقراء هذه المرافق وتأخذ ضمن أموال الأغنياء ما لا بُدَّ منه لتحقيقها، وتمكّن الفقير من الاستمتاع بها، وإن تجاوزت -في ذلك- حدود الزكاة، والنقطة الأساسية في المشروع كله هي المورد الماليّ، فهل يحق للدولة إذا عجزت الزكاة عن تحقيق هذا المستوى أن تأخذ من أموال الأغنياء ما لا بُدَّ منه لتحقيقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت