تقدم ابن حزم إلى الأمر لا بعقليه من يريد أن يجمع نصوصًا ليستخرج دلالتها، ولكن بروح مَنْ يشعر بأن الشريعة الإسلامية قد جاءت لتحقيق السعادة الإنسانية، ومحو مظاهر البؤس والفاقة، وأن مهمته الكبرى استخلاص العلاج الإسلامي الكامل من النصوص الدينية بروح متحررة.
والحق أن الرجل كان بطبيعته متحررًا إلى أقصى حدود التحرّر.
كان ابن حزم -إذن- في نفس الموقف الذي وقفه الكثيرون من الاشتراكيين والإنسانيين، الذين أثارهم البؤس والشقاء فتجرّدوا للبحث عن الوسائل التي تخفّفه أو تجتثّه من أصوله وتريح الإنسانية من شروره.
وابن حزم -بالإيجاز- هو الإمام الإسلامي الثائر الذي شعر بمشكلة الفقر في المجتمع، وتجرَّد بروح المصلح الاجتماعيّ وعقل المفكر الحر للبحث عن علاج حاسم لها في دائرة الشريعة الإسلامية، ولم يكن مجرد فقيه عادي كل همه دراسة النصوص ودلاله النصوص دون تفكير في الإنسان وشقاء الإنسان.
هو في الواقع مفكر الاشتراكية الإسلامية، وهو في هذا يذكرنا بسلفه العظيم أبي ذر الغفاري، ويتمّم مواضع النقص في دعوته؛ فإن أبا ذرٍّ لم يحدد حقوق الفقير في مال الغني تحديدًا واضحًا، أما ابن حزم فقد استطاع القيام بذلك.
أما النتيجة الرائعة التي وصل إليها ابن حزم فهي: أن الزكاة ليست كل الواجب، وأن الواجب الإسلامي لا يتم إلا بتحقيق وسائل الحياة الكريمة للطبقة الفقيرة، وبذل كل ما يحتاج إليه هذا الهدف الإنساني الجليل.
كانت المشكلة الاجتماعية التي واجهها ابن جزم، وحاول أن يجد لها حلاًّ إسلاميًّا هي مشكلة الفقر في المجتمع، وأهمّ مظاهر الفقر الجوع والعري وفَقْد المأوى، وهذه -في الواقع- هي الحاجات الأساسية للبشرية، وقد كانت في عصر ابن حزم تمثّل ضرورات الحياة الإنسانية، ولكل عصر رأيه في تقدير أساسيات الحياة والناس عادة يصدرون في هذا النوع من التقدير عن المستوى الذي وصل إليه التفكير الخلقيّ والتقدم الاقتصادي في عصرهم، ومن ثم كان طبيعيًا أن يتجه تفكير ابن حزم في العصر الذي عاش فيه إلى هذه الحاجات الأساسية الثلاثة، فيرى أنها ضرورية لكل فرد، ثم يكوّن منها مستوى الحياة الذي لا بُدَّ أن يبلغه كل فرد من أفراد الأمة، ويبدأ بالمطالبة به والدعوة إلى تحقيقه.
وقد قرر ابن حزم -إلى جانب هذه الفكرة الاجتماعية الخطيرة- أن تحقيق هذا المستوى الاجتماعيّ يجب على الدولة أن تضطلع به، ولا يجوز أن تتركه لجهود الأفراد، ثم ضم إلى ذلك المبدأ الأساسي الهامّ الذي تقوم عليه فكرته، وهو أن للحاكم أن يأخذ من أموال الأغنياء ما يحقق به هذا الغرض إذا لم تف الزكاة به.
والمغزى الاجتماعي لهذه الفكرة واضح، فهو لا يفكر في تحديد واجب الأغنياء نحو الفقراء، ولكنة يفكر في ضرورة تحقيق مستوًى خاصّ من الحياة لكل فرد من أفراد الطبقة الفقيرة.
هذا هو الهدف، وهو تجديد اجتماعيٌّ رائع، وقد أحاطه بكلّ ما يكفل تحقيقه، فهو من ناحية: يلقي واجب التنفيذ على عاتق الدولة، ومن الناحية الأخرى يحدّد المورد المالي الذي قد يحتاج إليه تحقيق هذا المنهج الإصلاحي الجليل، ويرى أن للدولة أن تفرض ضريبة أخرى غير الزكاة إذا عجزت الزكاة وحدها عن تحقيقه.