الصفحة 10 من 17

ابن حزم

لن نستطيع أن نفهم ما قام به ابن حزم في ميدان الفكر الاشتراكي الإسلامي إلا إذا فهمنا شخصيته ومنهجه والمطالب التي تقدم بها لإصلاح حال الفقراء في المجتمع الإسلامي.

وأول ما يجب أن نفهمه عن ابن حزم أنه إمام من أئمة الفكر الإسلامي، ولكنه إمام ثائر؛ فهو ثائر بوجه عام ضد الآراء المنتشرة التي يعدها واضحة الفساد في كل ميادين الثقافة الإسلامية، فهو لا يكتفي بالنقد والرد ولكنه يُشْفعه بالسخرية والازدراء، ثم يقدم آراء في شجاعة وثقة تامة، غير مبال بما تُحدثه هذه الآراء في نفوس التقليديين.

أما في ميدان التشريع الاشتراكي فإنه يخوضه بهذه النفس الثائرة، والروح المتوثبة، فيقفز فيه قفزة هائلة يصل بها إلى أعلى ما وصل إليه التفكير الاشتراكي في عالم الغرب، ولن نستطيع أن ندرك هذه الحقيقة إلا إذا فهمنا منهجه في دراسته؛ فإن هذا المنهج هو السبب المباشر لهذه الآراء التقدمية التي تمتاز بالشجاعة المقطوعة النظير.

يبدو -في وضوح تامٍّ- لكل من يتّبع آراءه في حل مشكلة الفقر، أن منهجه يختلف عن المنهج العام للفقهاء؛ فمنهج الفقهاء العام تحدده أصول معدودة:

الهدف هو معرفة الحكم الشرعي.

ويؤخذ الحكم الشرعي من نصوص الكتاب والسنة ومن القياس والإجماع.

فالفقيه حينما يقوم بمهمته يتجه عادة إلى نصوص الكتاب والسنة؛ ليستخلص الحكم طبقًا للقواعد المقررة في علم أصول الفقه.

ولا نحبّ أن ندخل في تفصيلات الطريقة؛ فإن هذا لا يعنينا هنا؛ فالذي يعنينا -بصورة خاصة- هو طبيعة هذا المنهج من ناحيته الإيجابية والسلبية، فهو من الناحية الايجابية ينحصر في النصوص ويجتهد في استخلاص دلالتها، فإذا وصل إلى الحكم الذي يدل عليه النص أو يشهد له القياس أو الإجماع -فقد تم الاستنباط وانتهت المهمة.

وواضح أن هذا المنهج لا يبدأ من الحياة الإنسانية التي جاءت هذه الأحكام لتنظيمها، ولا يُعنَى عناية كاملة بأثر ما يستنبطه من الأحكام في الحياة الإنسانية، ومن ثَمَّ لم يكن من الغريب أن تظهر في الفقه أحكام تشقّ على الطبيعة البشرية، وقد عدلت القوانين الشرعية الأخيرة كثيرًا من هذه الأحكام.

أما ابن حزم فله منهجه الخاص، وهو يختلف عن هذا المنهج بعض الاختلاف، ولست أحب أن أعرض هنا لأصول علم الفقه التي يعتمد عليها مذهب الظاهرية، ولكني أكتفي هنا بناحية خاصة واضحة كان لها أثر بيّن في تكوين رأي ابن حزم في التشريع الخاص بالفقراء.

لم يكن تفكير ابن حزم محصورًا في دائرة النصوص أو مقصورًا على استخلاص دلالتها دون نظر إلى الحياة الإنسانية التي جاءت هذه النصوص لتنظيمها؛ فإنه من البادي لكل ناظر في كلامه أن الرجل كان ينظر إلى البيئة المحيطة به وما تعجّ به من فقر وبؤس وشظف، فاتجه إلى أصلاح هذا الحال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت