وإذن فإن الحروف التي تقع في أواسط الألفاظ تكون غالبًا أقل تأثيرًا في معانيها. وهذا يتفق مع ماذهب إليه العلايلي، من أن الحرف الذي زيد على الثنائي للانتقال إلى الثلاثي هو الوسط في الأعم الأغلب. أما ابن جني فقد رأى أن الحرف الوسط هو الأقوى. وذلك لأن الفعل في رأيه، يتكرر بتكراره (قسّم. علّم. درّس..) (الخصائص ج2 ص155) . وفات ابن جني أن القوة تتجلى بطبيعة الفعل الأول نفسه وليس في تكراره. ليبقى رأى العلايلي هو الأقرب إلى الصحة، وإن كان لنا رأى مخالف كماسيأتي .
ولكن هل تكفي هذه الحساسية السمعية لتعليل انطباع (50-92%) من الألفاظ بالخصائص الصوتية لحرف قوى ما تبدأ به ، أو لحرف رقيق آخر تنتهي به؟.
فكيف استطاع العربي أن يبدع هذه السلسلة الطويلة من المصادر التي تنطبع معانيها بطابع الحرف الأول أو الأخير، مع المحافظة على دور بقية الحروف في توضيح هذه المعاني وتلوناتها؟؟.
كيف تسنى للعربي أن يبدع هذه اللغة على هذه الشاكلة منذ آلاف الأعوام؟.
هنا لابد لنا من التسليم برأي علماء اللغة الذين قالوا بأن اللغة العربية بدأت بأصوات الحروف، ثم تدرجت إلى الثنائي فالثلاثي، فكثيرات الحروف.
وإذن أصبح من السهل أن نتصور أن العربي عندما أبدع صوت حرف قوي، للتعبير عن معاني القوة والفعالية والشدة (د.ق.ز...) في دور المقطع البسيط من حرف واحد، قد أضاف إليه حرفًا ثانيًا يساعده في تلوين معناه في دور المقطعين من حرفين اثنين. ولما كانت معاني الشدة والفعالية هي المقصودة، فلقد كان من البدهي أن يضع الحرف الجديد في آخر المقطعين. كما أن العربي أبقى حرفه القوى هذا في مقدمة المقاطع عندما انتقل به إلى الثلاثي فالمزيدات.