فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 316

لقد تبين مما تقدم أن استيحاء معاني الحروف العربية بالرجوع إلى خصائص أصواتها عن طريق الاستبطان، فيه الكثير من المشقة والمخاطرة. ولعل هذا السبب هو الذي جعل علماء اللغة يتجنبون هذه العملية الصوتية النفسية كمنهج لهم، وإن كان لامفر لهم من معاناتها، ولو في صور من رهافة السمع والتذوق الأدبي الرفيع.

ولقد نشرت لي مجلة المعرفة السورية في عددها (407) لشهر آب 1997 دراسة مطولة بعنوان ( فطرية العربية على موائد علمائها) . عرضت فيها خلاصة ماجاء به خمسة من القائلين بفطريتها وهم: ( ابن جني، وأحمد فارس الشدياق، وعبد الحق فاضل، والعلايلي، والارسوزي) .

وقد بينت فيها بعضًا من ايجابيات وسلبيات ما توصلوا إليه حول فطرية العربية وخصائص حروفها.

لذلك وحذر الأطالة اكتفي هنا بالحديث الموجز عن مناهج ثلاثة منهم للكشف عن بعض الثغرات فيها، ممايشير إلى صعوبة التعامل مع خصائص الحروف العربية ومعانيها، ومن ثم لمقارنتها مع نهجي الخاص بهذا الصدد. وهؤلاء الثلاثة هم (ابن جني-عبد الله العلايلي-زكي الارسوزي) .

اولًا-حول منهج ابن جني: في كتابه الخصائص.

لقد لجأ ابن جني إلى استخلاص معاني الحروف العربية من معاني الألفاظ، بدلًا من الاتجاه مباشرة إلى تأمل صدى أصواتها منفردة في وجدانه. ولقد استهدى في ذلك تارة بقاعدته الذكية: (لا ينكر تصاقب الألفاظ، لتصاقب المعاني) . أي تقارب الأصوات لتقارب المعاني. كما استهدى تارة أخرى بقاعدته الأذكى (سوقًا للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد) .. ومع ذلك لم ينج مع هاتين القاعدتين المستحدثتين من عمليات الاستبطان من التناقض حينًا بمعرض الكشف عن خصائص الحرف الواحد، ولامن الخطأ حينًا آخر في تعيين خصائص بعض الحروف ومعانيها.

فلقد ضرب ابن جني لتحديد معاني الحروف وخصائصها، الأمثلة التالية:

(القاف) فيه صلابة، وفي (الخاء) رخاوة. هذا صحيح. إلا أنه يعود فيقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت