فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 316

إذا كان العربي الفنان قد لجأ فعلًا إلى تقمص أشياء العالم الخارجي وأحداثه على وجه ما شرحناه للاهتداء إلى أصوات حروفه ومعانيها بوسيط من مشاعره، فإنه لابد لنا نحن أن نهتدي بالمقابل إلى معاني هذه الحروف بالذات فيما لو تأملنا صدى أصواتها في مشاعرنا، ولكن شريطة أن يتمتع ذلك العربي بأصالة فنية إبداعية، وأن نتمتع نحن بأصالة فنية تذوقية موازية. ومعاجم اللغة العربية هي المحكّم في هذه القضية.

وتأمّل صدى أصوات الحروف في المشاعر، إنّما هو عملية استبطان صريحة.

وإذن ما الاستبطان؟.

الاستبطان، كما يقرر علم النفس ، هو انعكاس الشعور على الشعور، إنه إحساس بالإحساس وتأمل باطني لما يجول في الذهن، (مبادئ علم النفس للدكتور يوسف مراد ص14) .

وهكذا فالاستبطان هو استخدام الشعور كملكة وعي لادراك هذه الحالات الشعورية والأحاسيس التي تعتمل في نفوسنا.

وإذن ، فإن استيحاء معاني الحروف من أصواتها، إنما يتم عن طريق الاستبطان، وذلك بانعكاس شعورنا على المشاعر والأحاسيس التي تثيرها أصوات الحروف في نفوسنا. وهذا ما عناه الأرسوزي بعبارته: (صدى أصوات الحروف في وجداننا) .

فلو تأملنا صدى صوت (الجيم) في نفسنا مثلًا، أي لو استبطناه، لاوحى لنا بالضخامة كإحساس بصري، وبشيء من الطراوة والحرارة كإحساس لمسي. وهذا ينسجم مع مايوحيه منظر الجمل وملمسه، لابل ورائحته الدسمه أيضًا. وهكذا أطلق العربي بالفعل لفظة (الجيم الشامية) ، على الجمل الهائج. ولقد بدأت بهذا الحرف أسماء كثير من الحيوانات (الجاموس، الجحش، الجدي، الجرو، الجيأل للضبع، الجؤزر لولد البقرة الوحشية....) .

وهناك أصوات حروف أكثر تعقيدًا وأصعب استبطانًا من حرف (الجيم) مثل الصاد- الضاد- العين-الغين-الهاء....كما سنرى .

علماء اللغة وخصائص الحروف العربية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت