بعد أن اهتدى العربي إلى أصوات حروفه ومعانيها، بقي على فطرته البدوية يتقمص الأشياء والأحداث لاستشفاف خصائصها الذاتية. وهكذا أخذ ينتقي الحروف التي تتلاءم إيحاءاتها الصوتية مع تلك الخصائص، ولكن وفق ترتيب معين يماثل تراكيب الأشياء، كما في كلمات (باب، بير، طبل) ، أو يماثل حركات الأشياء، كما في (رفرف، زلزل، لحس، بحث) ، ليتحول المدرج الصوتي بذلك، من أول الحلق داخلًا حتى أخر الفم في الشفتين خارجًا إلى حلبة رقص. وهكذا يتحول الصوت ذاته إلى راقص ينتقل برشيق (أقدامه) على مخارج الحروف، إلى الأمام أو الوراء، إلى فوق أو تحت، وإلى اليمين أو ذات اليسار، ليصور الصوت بذلك الأشياء والأحداث بحركات إيمائية تمثيلية مسموعة غير منظورة. وهكذا تتحول اللفظة العربية إلى رقصة صوتية بارعة، لا توحي بمعناها الأصيل فحسب، وإنما تجسّده أيضًا، مما لا يقدر على ذلك راقص ولا ممثل أو فنان.
وهذا ما عناه ابن جني عندما أخذ يشرح قاعدته الذهبية: (تصاقب الألفاظ، لتصاقب المعاني) .فالعربي بعد أن يختار الحروف التي تتوافق أصواتها مع الحدث الذي يريد التعبير عنه، يقوم بترتيبها في اللفظة على أساس أن يقدم الحرف الذي يضاهي (أي يماثل) أول الحدث، ويضع في وسطها ما يضاهي وسطه، ويؤخر ما يضاهي نهايته. وذلك (سوقا للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد) .كما عرض ذلك في مثال (بحث) في كتابه (الخصائص ج 2ص 162-163) .
كما أعتمد ابن جني هذه القاعدة في تعليل الفرق بين (قدّ) طولًا ، و (قطّ) عرضا بقوله: (ذلك أن الطاء أخصر للصوت وأسرع قطعًا له من الدال. فجعلوا الطاء المناجزة(أي ذات المخرج الصوتي القريب من مخرج القاف) للقطع عرضًا. أما الدال المماطلة (أي ذات المخرج الصوتي البعيد عن مخرج القاف) ، فقد جعلوها لما طال من الأثر، وهو قطعه طولا). (المرجع السابق ص158) .
3-ولكن كيف نستوحي نحن معاني الحروف من أصواتها؟.