فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 316

فهل يعقل مثلًا أن يستطيع أصحاب المدرسة اللغوية (التاريخية) الصعود إلى أصل اللغة الإنسانية أو أن تستطيع المدارس (النفسية أو الصوتية الوظيفية، أو الاجتماعية) أن تصل إلى نتائج حاسمة باعتماد لغات قد تخلت منذ القدم عن أصول نشأتها الفطرية في (الطبيعة والحس والنفس والمجتمع) ، وذلك لهجرها الأوطان التي نشأت وترعرعت في ربوعها، فاحتكت في مهجرها بلغات وشعوب أخرى، على مثال ما وقع للغات الهندية الأوروبية والأكادية (البابلية- الأشورية) انظر فقه اللغة. د.علي عبد الواحد وافي ص (25-27) مما أفسح المجال للفكر أن يتحكم اعتباطًا بمعاني كلماتها وقواعد صرفها ونحوها بعيدًا عن العوامل الفطرية الأساسية في نشأة اللغة الإنسانية.

وهكذا كان علماء اللغة اللاحقون وفلاسفتها ينتقلون من نظرية إلى أخرى، ومن مدرسة إلى مدرسة، منذ هيروقليطس قبل الفين وخمسمئة عام حتى انتهت هذه السلسلة إلى مدرسة (علم اللغة العام) المعاصرة التي طوت تحت لوائها جميع المنطلقات السابقة. وما أحسب أن صاحبها (سوسور) وتلاميذه سيصلون إلى نتائج حاسمة مادام اختيارهم سيقع على لغات غير فطرية.

أما اللغة العربية فهي بحكم نشأتها الفطرية وأصالة الإنسان الذي أبدعها في بيئة واحدة مستقلة ومنعزلة هي (الجزيرة العربية) ، خلال مراحل غابية، ثم زراعية، ثم رعوية شعرية. مما أعطى المجال للنزعة الشعرية (الجمالية- الإنسانية) للاستمرار في تحكمها بمعاني مفرداتها وقواعد صرفها ونحوها. وهكذا قد حافظت العربية حتى الآن على أصالتها وفطرتها بفعل هزاج الجاهلية وشعرائها وفصائحها ورعاية القرآن الكريم لها.

ولذلك، فإن العربية بأصالتها الفطرية هي أصلح موضع لتطبيق جميع النظريات اللغوية للتثبت من صحة منطلقاتها، وللإجابة أيضًا عن جميع التساؤلات والإشكالات التي اعترضتها في اللغات الأجنبية، وظلت حتى الآن بلا إجابات ولا حلول صحيحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت