وهكذا قد تشابكت جذور الحرف العربي بجذور الشخصية العربية، فكان بذلك هو أعمق الجذور في شخصية الإنسان العربي وأحواها لمقوماته الثقافية والاجتماعية، بكل ما للمحتوى من معاني الشمول، وما للثقافة والحياة الاجتماعية من مظاهر التنوع.
فمازج الحرف العربي بذلك عادات الإنسان العربي وتقاليده وطراز حياته وقيمه الجمالية والأخلاقية ودينه وعقله وسحره. وكان فوق ذلك كلِّه واحدًا من أرسخ أسلحته الذكورية الثقافية التي استعان بها على المرأة في نزاعه على زعامة الأسرة والمجتمع، منذ المرحلة الرعوية حتى الآن.
وهكذا فإن هذه الروابط (الثقافية- الاجتماعية) المتبادلة بين الحرف العربي والإنسان العربي على مرِّ الزمن هي أهمُّ أركان الأصالة في الحرف العربي وفي مقوِّمات (الشخصية العربية) أيضًا.
4-الجذور الفنية والأخلاقية في الحرف العربي:
آ-حول المضمون الفني في الحرف العربي:
لقد تسّرب المضمون الفني إلى الحرف العربي عفو الفطرة أولًا، ثمَّ إراديًا بفعل الإنسان العربي عبر مراحله الحياتية الثلاث.
ففي المرحلة الغابية كان الإنسان العربي (ابن الجزيرة العربية) ، يعبِّر عن معانيه بالحركات الانفعالية والأصوات الهيجانية، بفطرة إنسانية مُشْربة أصلًا بنزعة فنية بدائية.
وهذه النزعة الفنية هي التي كانت تكفل التواصل بين أبناء تلك المرحلة، إذ لولاها لبقي التواصل بينهم غريزيًّا كما لدى الحيوان. فالظاهرة الفنية في الحركات الانفعالية والأصوات الهيجانية تتجلى بدلالاتها البصرية والسمعية عفو الفطرة، بعيدًا عن كل رمز أو اصطلاح عقليِّ.
وفي المرحلة الزراعية كان التواصل بالحركات الإيمائية التمثيلية، يتم بتدخُّل الإرادة تحت رقابة نزعة فنية أصيلة أصبحت أنضج مما كانت عليه في المرحلة الغابية.