أما في المرحلة الرعوية فإنَّ التعبير الإرادي بالأصوات الموحية قد أخذ طابعًا فنيًا خالصًا هو ألصق ما يكون بالموسيقى. فلجأ الإنسان العربي إلى تصوير الأشياء والأحداث والحالات بأصوات الحروف -العربية وفقًا لمقولة ابن جني: (( سوقًا للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد ) ). مما لا نظير له في أي لغة في العالم.
ب-حول المضمون الأخلاقي في الحرف العربي:
لو تأملنا بسمعنا ما للأحرف الغابية من الخصائص (الهيجانية- الانفعالية) ، ولو أمعنا بنظرنا إلى ما في طريقة النطق بأصوات الأحرف الزراعية من الخصائص (الإيمائية- التمثيلية) ، لما عثرنا فيهما على ما يشير إلى أي معنى أخلاقي، سلبيًا كان أو إيجابيًا. فدلالات حروف هاتين المرحلتين منحصرة في القطاع الحسِّي، ولا شيء فيهما للمشاعر الإنسانية.
ويفرض أن لهجة التواصل بين أبناء هاتين المرحلتين كانت تتضمن ما يعبِّر عن مشاعر الكُره أو الغضب أو النفور أو التحبب وما إليها مما يتماس مع بعض القيم الأخلاقية في صورها البدائية، فإن ذلك لا ينسحب قطعًا على مضمون حروفهما.
فبالرجوع إلى المصادر الجذور التي تبدأ بالأحرف الزراعية
(ذ-ث-م-ل-ف) عثرنا في المعجم الوسيط على (759) مصدرًا جذريًا تبدأ بها كانت جميعًا لمعان محسوسة، باستثناء خمسة مصادر فقط لمشاعر إنسانية تتماس مع القيم الأخلاقية، بنسبة أقل من واحد في المئة.