وهكذا فإن أصالة الحرف العربي تقوم على بداءته وبداءة الإنسان الذي أبدعه.
2-الفطرة:
لقد اقتبس الإنسان العربي خصائص حروفه (الهيجانية والإيمائية والإيحائية) من الطبيعة المادية والبشرية عبر المراحل الحياتية الثلاث. كما أشرنا إلى ذلك في المقدمة. ولا يزال الإنسان العربي حتى الآن يعتمد هذه الخصائص ذاتها في الكلمة العربية، وإنْ بشيء كثير من التهذيب بمعرض تعبيره عن معانيه كما أسلفنا.
وهكذا تقوم أصالة الحرف العربي أيضًا على خصائصه الفطرية.
3-التفاعل (الثقافي- الاجتماعي) بين الإنسان العربي والحرف العربي:
لما كان الإنسان العربي قد تعايش مع الحرف العربي في الجزيرة العربية طوال آلاف كثيرة من الأعوام مرحلة حياة متطورة بعد مرحلة، يبدع به كلماته ويهذِّبها، ويبتكر معانيه ويطورها تعبيرًا عن أحاسيسه وحاجاته وانفعالاته ومشاعره، جيلًا مثقفًا متطورًا بعد جيل،
فقد كان لابد للحرف العربي أن يحمل من مقومات شخصية الإنسان العربي، حِسًَّا مرهفًا وشعورًا ونزعة فنية أخلاقية، على مثال ما تحمل أيُّ تحفة فنّية من شخصية مبدعها الفنان. لتتحول الحروف العربية بذلك من اهتزازات صوتية مجردة إلى نماذج إنسانية حّية متحضرة. لكل حرف وظائفه واختصاصاته وطبعه ومزاجه ومقوماته الشخصية، على مثال ما يتوزع الناس أنفسهم في أي مجتمع متحضر على شتى المهن والهوايات والاختصاصات والأمزجة وأنواع السلوك.
كما كان لابد للحرف العربي بالمقابل أن يطبع الإنسان العربي على مر العصور بطابعه الثقافيِّ الخاص: ترهيفًا لأحاسيسه الحسِّية وتأجيجًا لمشاعره الشعرية، وتهذيبًا رفيعًا لذوقه الأدبيِّ، وتنمية راقية لملكاته العقلية ليتحول الإنسان العربي في صحرائه القاحلة من مجرد كائن حيِّ يُعنى بغرائزه إلى آلة ثقافية مفاتيح معانيها أصوات حروف قد تغلغلت أصداؤها في بنيته النفسية وتكوينه الذهني وخلاياه العصبية.