يسميها ابن هشام (الألف المفردة) ، وهي فيما نرى أقدم المستحاثات اللغوية جميعًا، ليس في اللغة العربية فحسب، وإنما في سائر لغات الدنيا أيضًا، بائدها وغير بائدها على حد سواء.
وهذا الحكم لا يتعارض مع الإقرار بأن أصول الأصوات الجوفية الثلاثة (الألف اللينة والواو والياء) هي بالضرورة أقدم الأصوات الإنسانية جميعًا. وذلك لأنها غريزية هيجانية في طبيعتها غير إرادية ولأنَّ تدخل جهاز النطق في تشكيل أصواتها يكاد يكون معدومًا، مِمَّا أبعدها في فجرها الأول عن وظيفتها اللغوية الإرادية.
أما (الهمزة) فيتشكل صوتها في الحنجرة بانطباق شفتي المزمار على بعضهما بعضًا وانفراجهما الفجائي.
وهذه العمليّة، من حيث التحكم بشفتي المزمار في الحنجرة عند تشكُّل صوت (الهمزة) تبدو لي كأنها إراديَّة في أصلها، وإن كانت تأخذ الطابع الهيجاني الغريزي بعد أن أتقنت الإنسانية صناعة صوتها في ذات المرحلة الغابية.
وإذن، فإن الإنسان الفجر قبل أن يستطيع التحكم بجهاز نطقه من شفويه إلى حلقيه، وقبل أن يبدع صوتي (الباء والميم) الشفويتين بمئات ألوف الأعوام، كان يطلق ذلك الصوت المزماري الانفجاري الذي تطور إلى (الهمزة) ، مترافقًا مع الأصوات الجوفية الثلاثة قوام أحرف النداء في اللغة العربية. وهذا يثبت عراقتها في القدم، وبالتالي أصالتها وفطرتها.
فصوت (الهمزة) الانفجاري من شأنه أن يثير انتباه المخاطب المنادى إلى المتكلم المنادِي. ووظيفة أدوات النداء أصلًا تتلخص بإثارة انتباه السامع قبل ذكر اسمه.
وما أحسبني بعيدًا عن الصواب لو قلت أن الإنسانية لو لم تهتد إلى (الهمزة) المزمارية هذه، فتتدرَّب على استعمال صوتها طِوال مئات ألوف الأعوام قبل أن تستطيع التحكم بجهاز نطقها من أوّله في الحلق إلى آخره في الشفتين. لما كان لها لغة ولا عقل ولا ثقافة ولا حضارة.