قال ابن إسحاق (15) : ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها ، كل قبيلة تجمع على حدة ، ثم بنوها ، حتى بلغ البنيان الركن (16) [ الحجر الأسود ] فاختصموا فيه ، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى ، حتى تحاوروا ، وتحالفوا وأعدوا للقتال ، ... فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا ، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد ، وتشاوروا وتناصفوا ، فزعم بعض أهل الرواية: أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ( عم خالد بن الوليد ) وكان عامئذ أسن قريش كلها ، قال: يا معشر قريش اجعلوا بينكم ـ فيما تختلفون فيه ـ أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه ، ففعلوا ، فكان أول داخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين ، رضينا ، هذا محمد ، فلما انتهى إليهم أخبروه الخبر ، فقال صلى الله عليه وسلم:"هلم إلي ثوبا"، فأتي به فأخذ الركن ، فوضعه بيده ، ثم قال:"لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب"ثم ارفعوه جميعا ، ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده ، ثم بنى عليه ، وكانت قريش تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ قبل أن ينزل عليه الوحي: الأمين .
ويعلق الشيخ محمد الخضري بك (17) : وهكذا انتهت هذه المشكلة التي كثيرا ما يكون أمثالها سببا في انتشار حروب هائلة بين العرب لولا أن يمن الله بعاقل مثل أبي أمية يرشدهم إلى الخير ، وبحكيم مثل الرسول صلى الله عليه وسلم يقضي بينهم بما يرضي جميعهم ، ولا يستغرب من قريش تنافسهم هذا ، لأن البيت قبلة العرب وكعبتهم التي يحجون إليها ، فكل عمل فيه عظيم به الفخر والسيادة ، وهو أول بيت وضع للعبادة بشهادة القرآن الكريم .
ويلاحظ من هذه الرواية الموثقة أنهم لم يختلفوا إلا على وضع الحجر الأسود خاصة من دون حجارة الكعبة المشرفة الأخرى ، مما يدل بوضوح على أهمية ومكانة وقدسية وخصوصية هذا الحجر الكريم .
موضع الحجر الأسود في البيت