فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 218

ولم أكن حينها قد اكتشفت درة عمر، لكن صديقي الجديد في الثانوية الشرقية التي انتقلت إليها فهد السعدون قد عرفني على والده وهو عقيد طيار متقاعد له اهتمامات تاريخية وحماسة قومية، جعلته يكرر القول، بأن العروبة أهم من الإسلام، لكنه يستثني عمر بن الخطاب وينظر إليه بطلًا قوميًا وليس خليفة. وكان يعزو نجاحات الإسلام إلى درة عمر، وإذ نمت قدراتي الفكرية وصرت أستقي المعلومات من مصادرها، اكتشفت أن المرحوم عبد الخالق السعدون إنما كان يشير إلى ما نقله ابن الجوزي عن العامة أنها كانت تسخر بحكامها، وتقول (لدِرَّة عمر أهيب من سيوفكم) (1) .

وفي كلية الآداب انشرحت أمامنا أبواب التاريخ العربي، وحضرتْ مراجع الأحداث إلى صفوف الدرس اللغوي والنحوي في فترة كانت بغداد الملكية والجمهورية الصق ببغداد المأمون، فاستمعنا إلى أستاذنا علي الوردي عالم الاجتماع يكتب لمحات من التاريخ بمنهج شعبي ولغة مفهومة، ونختلس مجلس مصطفى جواد يحدثنا عن درابين بغداد وأيامها العباسية، وعرفنا منهج عمر الاقتصادي من المؤرخ المختص بالنظم الاقتصادية في الإسلام عبد العزيز الدوري وعرفنا عروبته من عروبة ناجي معروف. واستمعنا إليه يحاور الإمام علي على لسان الدكتور الوردي، وهو من عائلة شيعية تسكن حول ضريح الإمام موسى بن جعفر، لكنه يخترق محيطه خارجًا بعمر إلى رحابة إنسانية تتسع له ساخرًا من المشعوذين، فيرد على كتابه وعاظ السلاطين ثمانية أدباء وفقهاء، خمسة منهم كانوا من رجال التشيع. وخرجت إلى بلدة فوق جزيرة على الفرات مدرسا في ثانوية حديثة، فصرت أحدثهم عن عمر، وهي مدينة لم تلتق بشيعي قبلي على ما أظن، لأن بعضهم كان يسأل عن الشيعة وكأنهم من أهل الأمازون.

وعند أهل حديثة تأكدت أن كتابات على الوردي تعيش في هذه المدينة النائمة على حضن الفرات، ويعيش عمر وعلي مثلما كان صالح الحديثي وكاتب السطور، فشغفت بعمر الذي تشرف ابني الثاني بحمل اسمه، وكان هادي العلوي يهديه النسخة الأولى من أي كتاب يصدر له ويلقبه بعمر الثالث.

(1) * - الدِرة: بكسر الدال وتضعيف الراء عصا تسمى عندنا في العراق شطبة كانت تستخدم لخفق البقرة برفق على ضروعها لاستدرارها فسميت بالدرة على ما نعتقد وهي نفسها التي يستخدمها الآن فرسان الخيول في السباقات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت