فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 218

أمّا والدي، وقد صار وعيي أكثر نضجًا، فقد أثار استغرابي، وهو سيد علوي، أنه لم يكن يحمل ضغينة على عمر كضغينة والدتي، وكان من الذين يحيلون الأمور إلى النوايا وإلى الله الذي سيحكم بين الناس.

وعن الخلاف المتداول المشتعل في أروقتنا بين علي وعمر، كان والدي يفضل الإمام علي بلا شك، إذا ماقورن بغيره من الصحابة، وفيما عدا ذلك كان ينظر إلى عمر وأبي بكر باحترام. وقد شغلني موقفه فيما بعد، وما إذا كان اعتداله غير المتوقع موروثًا عن أبيه السيد سلمان فقيه الكرادة وإمامها، فاكتشفت أن عاملًا آخر هو الذي أثر فيه، فقد كان صديقًا حميمًا للقاضي مصلح الدين الدراجي، عضو المحكمة الكبرى في الحلة، وهو من أهل السنّة وقد يكون هذا الصديق الذي كان والدي يجله ويسرف في الحديث عن عدالته وعلمه هو الذي أوجد هذا الانعطاف فيه.

كان العام يمضي فأقترب خطوة إلى موقع متقدم في رحلتي إلى ابن حنتمة، فإذ دخل عامل مهم بعد تحولات هادي العلوي، كانت مفاجأتي كبيرة فيما سمعت من والدي، ولم اكتشف حتى ذلك الحين تلك العلاقة بين عصا الخيزران بقبضتها الجلدية البنية التي لا تفارق يمنى والدي في المنزل والزقاق والعمل، وبين دِرّة عمر.

ظل والدي حتى أيامه الأخيرة يخفق المارة بدرته، إذا مارأى في بعضهم خروجًا على الذوق العام، أو خروجًا على ما هو شرعي. وكان الناس في تلك المحلة (1) ، يتقبلون الخفق عن طيب خاطر، وكأنها رحمة!.

(1) * -…الزوية: محلة ملاصقة لما يسمى الآن بالجادرية، وهي تقع على ضفة دجلة اليسرى مقابل مبنى القصر الجمهوري، حيث يجلس الجسر المعلق على كتفها حاليًا، وكانت تسمى زاوية السيد خلف جدي لأبي، ثم حذف المضاف إليه بمرور الزمن، كما هي العادة عند العرب وفي هذا الحي كان السيد خلف يستقبل الفقيه الشاعر المجاهد محمد سعيد الحبوبي في بعض أيام الصيف وقد أعطت هذه المحلة ما يقرب من ثلاثمائة رجل وامرأة في عهد الرئيس صدام حسين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت