فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 218

وعلى جبهة البصرة، كان عمر يرغب بعدم ذهاب قواته إلى ما بعد الاحواز (عربستان الحالية) متمنيًا جبلًا من نار يفصله عن بلاد فارس، فلا يقاتلهم ولا يقاتلونه، لكن قادة الفتوح تحملوا مسؤولية إقناعه بالتوغل في بلاد فارس وملاحقة مراكز القيادة الكسروية المتنقلة والمستقرة آنئذٍ في خراسان، وتبنى الأحنف بن قيس هذه المسؤولية في الدبلوماسية مع عمر والعسكرية في الانطلاق إلى خراسان بعد أن اقتنع عمر بأن وجود كسرى في جوارهم سيثير الكثير من المتاعب وقد انتقضت مدن كثيرة في بلاد فارس فأعاد عمر فتحها ثانية. وفي ظننا أن شبح الكسروية والقيصرية والخوف من الوقوع في نموذجها، هو الذي كان يحدد رغبة عمر في الوقوف عند مشارف ماكان يعتبره وطنًا عربيًا ولا يتجاوزه.

وكان القليل من الخروقات القيصرية والكسروية يدفع الدولة الراشدة للتفكير ببناء مؤسسات وتقاليد، واستخدام مهارات ليس للجزيرة العربية عهد بها. وكان بعض قادة الفتوح يتحركون في فسحة قيصرية، محدودة لكنها مفيدة، وناجحة، فضلًا عن أمثلة الانسياح إلى أبعد من المشارف القصوى لحركة الفتوح عند عمر.

كانت الدبلوماسية تجرب أولى نشاطاتها في وفد يبعثه الخليفة إلى سعد بن أبي وقاص في طريقه لمناظرة كسرى يزدجرد، فيضيف سعد إليه آخرين أختيروا بمواصفات دولة قيصرية وكسروية تأخذ بالقيافة واحجام الطول وعرض المناكب، وسعة التجربة. وملاحظة انحدار المبعوث من أسر ذات تقاليد"ارستقراطية"بمصطلح يومنا، وكان ذلك من بعض أسباب نجاح الوفد في كسب المناظرة.

كان عمر يأخذ بمبدأ الضرورة فيلتقط برامج وآليات العمل الإداري من دولتي كسرى وقيصر، فيستحدث مكاتب الديوان والسجلات وتأرخة الأحداث بعام هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، بعد مناقشة مستفيضة انتهت بترجيح مقترح الإمام علي.

إن النبي محمد (ص) أنكر في الكسروية والقيصرية، زخارفها البيروقراطية وترفها السلطاني وأمورًا دينية، وسياسية، لكن ذلك النقد لم يستهدف رفض تجربتها التكنوقراطية وتطور أساليب الإدارة. وتوزيع العمل وتوثيق السجلات. وتنظيم وسائل الاتصال في البعوث الدبلوماسية، ومؤسسات البريد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت