وكان عمر يجرب أولى محاولات الاستفادة من ذلك أو بعض ذلك، فاستطاعت الدولة الراشدة مع حذرها البالغ، من اختراق هذا الشبح الذي كان من الأسباب التي عرقلت نمو مؤسسات الدولة الراشدة بما لم يجعلها قادرة على الاستجابة لاحتمالات المستقبل، فلم يتحول اجتماع المسجد النبوي إلى مجلس شورى كامل العضوية والصلاحية وبناء هيكل للدولة شاسعة الأطراف وضوابط لاتعتمد فقط على شخصية الخليفة.
إن النبي (ص) الذي رفض استبدال الحصير بمقعد وثير في جوابه الخاص بعمر وانتقال الحديث عن طريقه، حمّل عمر مسؤولية نبوية بعدم استبدال حصران النخيل بعروش قيصر وكسرى.
وهذا بعض سرّ نزوع عمر في زهد الدولة، كي لاتصل أو يصل بها إلى مشارف كسروية ففضلها محمدية على غرار بري وطبيعي وعفوي. وهنا المشترك الأوثق والأوضح بين سايكولوجية علي وعمر وروحية كلٍ منهما وسرّ مبدأ المشاركة، وكلٌ منهما قد نَفِس الآخر على النوم فوق التراب.
لقد كان الإمام علي وعمر يشتركان في هذا الحذر بدرجة أكثر حساسية مما لدى أصحابهما الآخرين، الذين لو أتيح لبعض منهم إدارة دفة الدولة في المقام الأول لأخذوا الكثير مما تجنب عمر وعلي أخذه من تجربة الدولتين الكسروية والقيصرية.
وكان متوقعًا وشبه حتمي سيرورة الدولة الراشدة إلى الكسروية والقيصرية فوقع المحذور النبوي وحصل الانقسام بين المفهوم الراشدي للدولة والمفهوم القيصري للأمويين، وكان مفترضًا وقوع النزاع بين العمريين والأمويين، وفي أكثر من مرة، كان الأمويون يخشون تجربة عمر، فإذا اكتشف أحد زعمائهم في خليفة منهم، ميلًا إلى الزهد أو المساواة أو رجوع الدولة إلى بعض ماكان في عصرها الراشدي خرجت عبارتهم الشهيرة.. اتريدها عمرية؟.
لكن أسبابًا لسنا بصددها هنا استدارت بالخلاف العمري الأموي إلى ثنائية الخلاف العمري والعلوي. فخرج الأمويون من هذا الصراع بمهارة عالية وساعدهم على النجاح تيار القطيعة الذي استجمع الأوصاف والأحداث والمسالك الأموية ونسبها إلى عمر، فأصبح ابن الخطاب أمويًا بمفهوم أهل القطيعة وباجتلاب الأمويين لاسمه يحصنون به دولتهم من الطعون. ونسبتها إلى عمر بن الخطاب لترسيس طعنه باحتضان القادة الأمويين وهو مايتمناه الآخرون من سعيهم الذي لم ينقطع إلى يومنا هذا، باجتلاب تاريخ عمر وسيرته إلى جانب دولتهم يحصنون به سيرتهم من طعون الفقهاء وتيارات المعارضة عند الشيعة والخوارج وسواهما.
سياسة التعيينات: