فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 218

لم يكن الوحي حاضرًا في غياب الرسول. وليس للقرآن رأي في السقيفة، فهي فكرة بشرية خالصة، وقرار سياسي ورغبة جماعة من الصحابة صيرها عمر بما أوتي له من حيوية قريش ومهارتها في تصريف الأزمات حدثًا لايزال الرجل يواجه المعترضين عليه!. فبدا مُجيل اللحظة، وقابض الزمن برغبة ليس لها سقف، لجعل يوم السقيفة هو اليوم الأول والأخير لفراغ السلطة، فيتقدم اليوم التالي متصلًا باليوم السابق حين كان للمشروع صاحبه منذ أربع وعشرين ساعة. ولم يحدث الفراغ، ولا حتى الفجوة ولم تترك فرصة لأسباب الخلاف أن تتنفس في حينها لكنها ظلت تلاحق تاريخ عمر وتاريخ الإسلام، فتصير السقيفة مكان الكيد عند فئة، ومكان الفتح عند باقي المسلمين.

إن السقيفة كانت المكان الذي غاب عنه المقدس، فكان بداية الزمان لحياتنا المقدسة بعد أربعة عشر قرنًا. وكان عمر قامع الفرقة في ذلك اليوم وحَقَّ له أن يحظى بلقب قفل الأمة.

حركة عمر في السقيفة أنجبت حركة حضارية لأمة كانت تتشكل على الأرض، فصارت حركة خلاف مذهبي يتصاعد مع التصاعد الحضاري للأمة، ومشكلة دينية تقوم على رفضها عقائد وعلى احترامها عقائد. وبالاحتكام إلى المعايير السياسية في نشوء الدول والحضارات، تصبح السقيفة بأعمدتها الأربعة التي أنجبت أربعة خلفاء لم يتكرروا في التاريخ. قرارًا وليس مؤتمرًا بأن لا تموت الدولة الناشئة بموت مؤسسها.

الحذر من شبح القيصرية

لم يخطط عمر لمفهوم دولة كبرى بالامتداد الذي وصلت إليه. وهي تنساح إلى أبعد مما كان في ذهنه. وحتى الوطن العربي، كان في تصوره لايمتد الى ماوراء الحدود الفلسطينية - المصرية عند معبر رفح الحالي، والذي تجاوزه عمرو بن العاص، وهو يشاغل مبعوث عمر إليه، حتى يدخل إلى الأراضي المصرية فيفتح كتاب الخليفة وعند ابن العاص إحساس ومعرفة سابقة بعدم رغبة عمر في توسع الفتوحات والعبور إلى مصر، فلم يفتح الكتاب إلاّ بعد تأكده من اجتياز الحدود، فأبلغ الخليفة أن جيش الفتح في الأراضي المصرية ووضعه أمام الأمر الواقع ووضع نفسه تحت مراقبته المستمرة وملامة مكاتيبه ومبعوثيه. أما عبد الله بن أبي سرح، فكانت قواته تمرح في سهول ليبيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت